Free Web Site - Free Web Space and Site Hosting - Web Hosting - Internet Store and Ecommerce Solution Provider - High Speed Internet
Search the Web

About

HomePage Great People Evil People Favorite Links My Aricles My Articles2 My life story in Arabic My life's story in English My study about Shiism & Democracy Photo Photo Photo Library My biography American Writers

My story life in Arabic

حـــــــــــياتي و 11 من ســبتمـــــبر أو مذكــرات قصيرة

 بقلم : ســهيل أحمــد بهجــت الفــــصل الأول ************************************************

 *********************************************************

 

هذه لن تكون حياة شبيهة بحياة الناس الطبيعيين ، لأني لست من اؤلئك البشر الذين كتبوا عن 

مغامراتهم و حياتهم الحافلة بالأسفار ، و ليست هذه سيرة رجل سياسي له علاقات بالأحداث السياسية الكبيرة و الانقلابات و الحروب و الغزوات ، إنها بالأحرى حياة إنسـان مشلول و سجين بين أربعة جدران ، و رغم هذا السجن الذي خرج منه بشكل نادر ، لكنه لم يسمح لهذه الجدران أن تقف عائقا بينه و بين الاطلاع و إبداء رأيه في السياسة و الدين و الثقافة ."1". ولدت في العام 1972 م في مدينة الموصل "نينوى" الواقعة في شمال العراق و هي المدينة التاريخية المعروفة و المذكورة في العهد القديم و هي تحوي إلى الآن آثار المحاربين الآشــوريين الذين أسسوا إمبراطورية كبرى بين 1000 و 610 ق م كما تحوي آثار عصر المماليك "القرون الإسلامية الوسطى"، و لا أدري هل هو من سوء الحظ أم حسنه أن اكتشفت جملة أمور بمرور الوقت و منها ، أنني أعاني من حالة عوق شديدة و لا أمتلك جسما طبيعيا صحيحا كسائر الناس و البشر ، و اكتشفت أيضا أنني وسط مجتمع شديد التعقيد ، متعلق بالتقاليد و الشعائر الدينية و القومية و له مقاييس عجيبة و غريبة في تقييم الإنسان و مركزه الاجتماعي و العلمي ، و اكتشفت الأسوأ : و هو أنني أعيش في عراق "حزب البعث" و "صدام حسين" و هو عصر يشبه استخدام "آلة الزمن" في العيش وسط أجواء عصور الظلمات و حيث القوي يأكل الضعيف في نهاية القرن العشرين حيث العالم المتمدن قد قطع شوطا بعيدا في الثقافة الإنسانية و سن القوانين التي تتغير أحيانا أسرع من تطور التقنيات "2". كنت الابن البكر للعائلة ، والدي معلم متزوج من ابنة عمه "والدتي" و هي ربة بيت اضطرت أن تترك السلك الدراسي لتتفرغ لبيتها و ابنها ، كنت محظوظا رغم المصاعب التي تحيط بي ، فقد كان والداي لا يقصران في رعايتي و أدركا إلى مدى جسامة المسؤولية الواقعة على عاتقهما ، ليس لأنهما أصبحا والدين لطفل ، بل لأن هذا الطفل معاق و مشلول ، كان الأمر المخيف بالنسبة لهما أنهما خشيا أن أصاب بإعاقة نفسية إلى جانب الإعاقة الجسدية "3". كان والدي شخصا موهوبا و محبا لفن الرسم ، رسم قريتنا "بامــرني" حيث كان يسكن جدي و هذه المنطقة كانت على الدوام كسائر المنطقة الشمالية حيث يسكن الأكراد ، تشهد مواجهات عنيفة بالأسلحة الرشاشة و المدافع ، و ذات مرة شهدت إحدى تلك المعارك أثناء زيارتنا لبيت جدي الذي كان قد أعاد بناء منزله الذي هدمته الحكومة ، و لسوء الحظ كان مصير هذا المنزل أيضا أن يهدم بعد سنوات من ذلك ، و كان المقاتلون الأكراد يقصفون قمة جبل صغير يقع أمام منزل جدي عبر سيطرتهم على جبل أكثر ارتفاعا كان يقع في مقابل الطرف الآخر من البيت ، فكنت أشاهد سلاسل من الرصاص الأحمر يتطاير بين الجبلين و كطفل صغير لم أكن أدرك مخاطر مشاهدة معركة من على سطح المنزل و لكن كنت محظوظا فلم يصبني شيء و خرجت من تلك التجربة متأثرا و رغم هذه المواجهات لم أفقد أنا و أبي متعة مشاهدة القرية الخلابة ، و هذه كانت كسائر القرى الكردية محاطة بالجبال و المناظر الخلابة و جداول الماء العذب الباردة حتى في عز الصيف الحار ، كنت أشاهده و هو يرسم بألوانه الزيتية و قد ملأني الذهول و الإعجاب ، طلبت بلهفة و بإلحاح الطفل المحب للاستطلاع أن يدعني أرسم بألوانه الزيتية ، منحني تلك الفرصة و لكن حينما شعرت بأني لا أملك القوة الجسدية و لو باستخدام الفرشاة ، خصوصا و أن الرسم بتلك الألوان يتطلب الكثير من القوة الجسدية ، شعرت بالسخط و الحزن في الوقت نفسه ، لكن والدي لم يسمح لليأس أن يتسلل إلى قلبي ، فقد اشترى لي أوراقا و أقلاما ملونة و قال لي : جرب الرسم بهذه و كن واثقا أنك ستنجح " "4". كنت سعيدا لأنني اكتشفت أنني امتلك قليلا من القوة يمكنني من خلالها أن أمسك بالورقة و القلم ، كنت في البداية معجبا برسم الحصان ، ثم رحت أرسم القطط و الكلاب و البشر ، و ما أحزنني جدا أن بعض أقاربنا راحوا يعاتبونني على رسم الأشياء الحية كالبشر و الحيوانات قائلين لي : أن الله سيدخلك إلى جهنم بسبب رسمك هذه الأشياء. طبعا لم يسمح والداي لأولئك المتدينين "السنيين" التقليديين أن يدخلوا اليأس و الخوف إلى قلبي و شجعوني على الاستمرار دون توقف ، كان علي أن أنتظر سنة كاملة ـ و حينها كنت في السابعة ـ حتى يكتشف والدي و إخوته ، حيث أن الجميع مع زوجاتهم و أطفالهم كانوا يسكنون معنا في بيت قديم و كبير ، اكتشفوا أنني أحمل في داخلي موهبة رسم كبيرة ، بل إن أحد أصدقاء والدي قرر أن ينشر صورتي مع لوحة من لوحاتي و كتب عني موضوعا بعنوان ((موهبة بحاجة إلى رعاية))!! و طبعا كان الرد على هذه المقالة هو "رجع الصدى" و الصمت "5". لكن والدتي لم تكن مقتنعة أن هوايتي في الرسم تكفي ، بل أصرت عليّ ، و أنا الطفل العنيد ، أن أتعلم القراءة و الكتابة ، كانت تكرر علي القول : أن موهبة الرسم ليست بشيء قياسا إلى القراءة و الكتابة و أن عليك أن تدرس و عقلك لا يزال صافيا .. لكن ما أن تكبر حتى يصعب الأمر عليك .." و كانت تلك أكبر و أعظم حكمة تلقيتها في حياتي ، و هذا الأمر طبعا فيه صعوبة في دولة متخلفة كالعراق الذي يحكمه الطاغية صدام و حزبه الإرهابي ، فقد كان من شبه المستحيل عليّ الذهاب إلى المدرسة ، خصوصا و أن الحكومة كانت قد عينت والدي في قرية بعيدة عن المدينة عقابا له على عدم انخراطه في حزب البعث ، بالتالي كان على والدتي أن تتفرغ لرعايتي في البيت ، و بعد مشادات كلامية بيني و بين والدتي ، رحت أكتب ما تمليه علي من حروف و كان والدي بدوره يهديني الهدايا كلما نجحت في أداء واجباتي ، و بمرور الوقت وجدت نفسي محاطا بإخوة لي انضموا إلى حياتنا الصعبة "6". و ما كدت أتقن القراءة و الكتابة حتى رحت أطالب والديّ بأن يشتريا لي قصص الأطفال ، ثم كان أن دفعني حب الاطلاع و التفاخر أيضا أن أقرأ كــتب الكــبار فقرأت كتابا تاريخيا في أربع مجلدات ضخمة ، أذهلني التاريخ بما ينطوي عليه من حروب و معاناة و آلام الشعوب المقهورة و أدركت خلال فترة قصيرة أن صــدّام ليس أول و لا آخر طاغية في التاريخ ـ و إن كان أكثرهم قسوة و تخريبا و تدميرا ـ و ما أحزنني و حزّ في نفسي أكثر هو أن قائمة "الكتب الممنوعة" أكبر من تلك المسموح بقراءتها ، و كان علي أن أودع الكتاب ذو المجلدات الأربع و الذي كان قد استعاره والدي من المدرسة لأجلي ، فقد قررت السلطات سحبه و حرقه لأنه أُضيف إلى قائمة "الممنوعات" و كان ذلك بداية غيظي و حنقي تجاه الدكتاتورية البغيضة ."7" كان العراق آنذاك يشهد بداية سيطرة "حزب البعث" على الحكم . الفــــــــــصــل الثــانـــي **************************************************** *******************************************************************

يعتبر العراق إحدى أكثر الدول تعقيدا في الشرق الأوسط ـ إن لم يكن في العالم ـ و هذا البلد منذ

تشكله الحديث عام 1920 م و هو يعيش تركيبا غير طبيعي ، فقد تعاقبت عليه أنظمة حكم تختلف في انتمائها المذهبي عن أغلبيته الشيعية ، فبعد النهاية المأساوية لحكم الإمام علي و تراجيديا الإمام الحسين في كربلاء ، حكم العراق الأمويون و العباسيون و العثمانيون ، ثم حدث عقب دخول الجيوش البريطانية إلى العراق أن ارتكبت الأغلبية الشيعية أكبر غلطة لها في التاريخ حينما دخلت في مواجهة مع ما أسماه العراقيون آنذاك "الاحتلال البريطاني" بينما انخرطت الأقلية السنية ، التي كانت قد فقدت امتيازات كبيرة عند سقوط الدولة العثمانية ، في السلطة مهمشة الأغلبية الشيعية و التي استجابت للتهميش بمزيد من الانزواء ."8" أدى هذا الأمر إلى خلق دولة ديمقراطية ، مشوهة و ممسوخة ، فكانت الأقلية السنية تبحث لنفسها عن الأعذار للاستحواذ على مزيد من السلطة ، لكن نسبيا كان العراق دولة ديمقراطية من 1920 إلى 1958 م حينما قام مجموعة من العسكريين بانقلاب أطاح بالنظام الملكي و كرر مأساة شبيهة بمأساة الحسين ، حيث قتل الملك الشاب "فيصل 2" هو و عدد من أفراد الأسرة المالكة بشكل بشع ، رحب الشيوعيون و القوميون ((بعربهم و أكرادهم)) بهذا الانقلاب و أطلقوا عليه اسم "الثورة" كعادتهم في وصف كل انقلاب ، لكن مجيء قائد عسكري وطني مثل "عــبد الكريم قاسم" لم يرضي الأطراف القومية العربية أو الكردية ، فكلا الطرفين كان يطمح إلى إثارة و تأجيج المشاعر القومية أكثر فأكثر ، بينما كان مراجع الشيعة غارقين في عزلتهم و أوهام "الوحدة الإسلامية" و غيرها من الخرافات التي لا حظ لها من التطبيق . "9" كان النظام الجمهوري الذي جاء عبر انقلاب عسكري قد فتح الباب على مصراعيه أمام القوى القومية و الشيوعية للتنافس على السلطة و السيطرة ، و نشبت في عدد من المدن العراقية مثل "الموصل" و "كركوك" صراعات عنيفة و وحشية بين هذه القوى حيث بلغ العنف درجة من البشاعة أن جثثا بشرية علقت عارية في محلات بيع اللحوم و كانت المدن "السنية" تشهد اقتحامات لبيوت الأغنياء و يذبح ساكنوها بعد سحلهم في الشوارع ، و من يقرأ تاريخ "الإسلام السنّي" لا يستغرب من هذه الثقافة الوحشية و التي تعمل الآن الجرائم ذاتها ، و كانت للسلطات أو بعض النافذين فيها أيضا دور في إثارة هذه الأحقاد و المذابح ، تعرض الرئيس العراقي "عبد الكريم قاسم" في بداية حكمه إلى محاولة اغتيال فاشلة على يد مجموعة من "حزب البعث" و كان الرئيس العراقي المخلوع "صدام" من بينهم ، ثم في العام 1963 م نجح "حزب البعث" في القيام بانقلاب أدى إلى محاكمة عبد الكريم قاسم محاكمة "صورية" كانت أقرب إلى المهزلة منها للمحكمة ."10" لكن مجموعة من القوميين الذين كانوا بالضد من "حزب البعث" قاموا بما يشبه بالانقلاب المضاد و نصبوا "عبد السلام عــارف" ـ و هو من الأقلية العربية السنية ـ رئيسا ، و حدث أن توفي الرئيس عارف في حادث سقوط طائرة الهلوكبتر الخاصة ، و بعد أن تولى شقيقه الهزيل "عبد الرحمن عارف" الرئاسة ، أزاحه البعثيون عبر انقلاب أبيض ، و شكلت عودة البعثيين عام 1967 م و استفرادهم بالسلطة ، بداية مرحلة طويلة من العذاب و الحروب التي ذاق وبالها العراقيون. "11" فنظام "البعث" أخذ يُحجم من حرية الصحافة و حرية التعبير ، ليسيطر على الإعلام و الصحافة و كل شيء رأي واحد و نظرية "البعث القومي" على كل شيء ، كما تم إلغاء كل مفاهيم حقوق الإنسان و الفرد ، بل و حتى الانتماء "الوطني" للعراق ، بمعنى أن هذا الحزب كان يسعى إلى حكم جميع الدول العربية من الخليج و حتى شمــال أفريقيا ، و طبعا كان هناك أيضا حزب البعث الحاكم في ســوريا و الذي كان على خلاف مع "البعث" العراقي لا في البرامج الآيدولوجية و لكن في اقتسام الغنائم ، و في هذه الفترة بدأ شيعة العراق وعيهم و نشاطهم السياسي و المواجهة مع النظام الحاكم ، و لم يقصر النظام في قمع التنظيمات الشيعية إلى درجة أن القلم يعجز عن وصف فظاعة الجرائم التي ارتكبها النظام ، و بجوار العراق كان الفكر السياسي الشيعي يتجه نحو التطرف في إيران ."12" و معلوم أن دولة ، شديدة التعقيد كالعراق ، تسير بهذا الاتجاه لا بد أن يكون مصيرها قاتما و غير مضمون ، و لم تكد تحل نهاية السبعينيات حتى كان هناك نوعان من التطرف يحكم البلدين المتجاورين ، العراق ـ حيث يحكم حزب البعث العربي الاشتراكي المؤمن بالقومية العربية و ذي المضمون السني ـ و إيران ـ حيث قامت ثورة أطاحت بالشاه "الملك" و أطاحت معه باللبراليين ليحل محلهم مجموعة من الملاية المتعصبين ، و هكذا استعدت المنطقة لانفجار البركان ، و فعلا و بحلول الثمانينات بدأت الحرب العراقية ـ الإيرانية و التي ذهب ضحيتها و ضحية تعصب النظامين مئات الآلاف من القتلى ، هذا عدى الجرحى و المعوقين و مئات المليارات من الدولارات ."13" و تزامنا مع هذا الوضع كانت حياتنا تنتقل من سيء إلى أسوا ، و أخذت القيمة الشرائية للدينار العراقي تهبط ، بعد أن كانت قيمة الدينار الواحد ، عند استيلاء البعث على السلطة ، تعادل ثلاث دولارات و نصف ، و كان منزلنا ، حيث نسكن ، ملكا لشخص آخر نسكنه كمؤجرين ، لكن الرجل و الحق يقال لم يكن بالطمع الذي نشاهده الآن لدى كثير من المؤجرين ."14"

******************** الفصــــــــل الثالث ************************************

 

 كنت في تلك السنوات المليئة بالمعاناة و الخوف ، أعيش حالة من الاندفاع و الرغبة الجامحة في البحث و الدراسة ، لم أترك كتابا أو موسوعة أو بحثا و في شتى المجالات ، دون أن أقرأه و بتمعن شديد ، و ما أعجبني جدا في البداية هو "التاريخ" إذ وجدت فيه حياة إضافية ، عدى هذه الحياة الرتيبة المملة ، حيث لم نكن نستطيع الكلام إلا بحذر شديد و خوفا من أن تخرج من أفواهنا كلمات قد تنتهي بنا على أعواد المشانق ، يكفي أن يشك بك النظام أو يكتب أحد المنتسبين إلى العناصر الأمنية "تقريرا" ينتهي بإفناء عائلة كاملة ، كما أن التلفزيون نفسه كان جهازا يصنع الكآبة بكل ما في الكلمة معنى ، إذ كان بإمكانك أن تلتقط قناتين "فقط" و كلتاهما ملك للحكومة و حزب "البعث" و كنا نشاهد فقط الطاغية "صدام" في إحدى جولاته أو حفلات استقباله ، أو تبث أفلام وثائقية من جبهات القتال مع الإيرانيين ، و طبعا تركز هذه الأفلام فقط على "البروباكاندا propaganda” " و الدعاية لانتصارات جيش السلطة و غالبا ما تظهر الصور البشعة لجثث قتلى . و ما كان يضجرني أكثر أن والدي أصبح يعتذر عن شراء كتب لي قائلا : ـ أنا آسف .. إما أن أشتري لكم الملابس و الطعام و إما أن أشتري لك الكتب و تبقى جائعا .."!!"15" فقررت أن لا أطلب منه أن يشتري لي أي كتاب بعد الآن ، كنت أملك كمية لا بأس بها من الكتب ، نصحتني أمي أن أقرأها مجددا ، لكنني حصلت على فكرة أفضل ، أقنعت أخي أن نأخذ كتبي و نبيعها على ناصية الشارع أو على الرصيف ، و كان ذلك متعبا لي أيضا ، فقد كنت أمضي أحيانا ساعات طويلة و في صيف العراق الحار إلى أن أستطيع بيع كتاب أو كتابين ، لكن ما أسعدني أنني استطعت شراء بعض الكتب الجديدة و التي أفادتني حقا. لكن خلال السنوات التالية كسدت سوق الكتب ، كما أنني و للأسف بقيت ألقي نظرات التأوه و الحسرة على رفوف المكتبات المليئة بكل ما هو لذيذ و طيب من الأبحاث التاريخية و الفلسفية ، و لو لا أن الإنترنت الذي استخدمته أول مرة عام 2000 م خفف عني الآن قليلا لبقيت أعاني ذلك إلى اليوم ."16" ذات مرة التقيت شخصا ، لم أعلم أنه سيصبح من أعز الأصدقاء فيما بعد ، و سأرمز له بحرف "غ" لأنه قد يعاني من الخطر إذا ذكرت اسمه ، هذا الصديق فتح لي أبواب واسعة و آفاقا على عالم الرواية و القصة و السيناريو المسرحي ، و راح يتردد على زيارتنا و يملأ ساعات حياتي المملة بأحاديثه الشيقة ، و عندما توثقت عرى الثقة بيننا ، تبادلنا تمنيات حلول ذلك اليوم الذي يسقط فيه نظام البعث الدكتاتوري المجرم ، كما أن تعارفنا أتاح لي أن أستعير منه بعض الكتب التي لم أكن أحلم حتى بقراءتها . و في تلك الفترة ، التي كنت أبيع فيها الكتب ، كنت محظوظا لأني تعرفت على صديق سأرمز إلى اسمه بحرف "م" حيث أن هذا الصديق الرائع و المذهل كان بحد ذاته موسوعة متكاملة ، و الرائع في شخصيته أنه قال لي أن مكتبته الضخمة التي بلغت محتوياتها 5000 كتاب تقريبا ، تحت تصرفي ، شعرت حينها أن هذا الصديق الرائع قد أثر على مجريات حياتي ."17" كان الصديقان "غ" و "م" صاحبي فضل كبير ، فالأول قوى عندي الحس الأدبي و الثاني قوى حسي الفلسفي و العقلي ، و ربما أحمل أنا ـ المسجون بين أربعة جدران ـ فرصة لأبحاث نفسية و عقلية أتاحها لي عقلي النابض . كانت الكتب ، و لا زال ، عالمي الرائع الخاص و المثير ، أتاحت لي موهبة القراءة فرصة التعرف على آلاف الشخصيات ، كنت أراهم محشورين أمامي و كأنهم قاموا من بين الأموات ، شخصيات من كل لــون ، فلاسفة و أنبياء و حكمــاء و ملوك و أباطرة و جلادون و مبدعون ، و كنت أتجاوب مع حياتهم و كأنني أعيشها لحظة بلحظة ، عشت أيام السومريين "أبناء الجنوب العراق" و هم يُنشئون أول حضارة في التاريخ ، و عشت أيام إبراهيم أبي الأنبياء و هو ينشر إيمانه في ظل حكم "النمرود" ، شهدت معركة "سيلا ميس" و رأيت الجيوش الفارسية و اليونانية و هي تتدافع وسط صهيل الخيل و أزيز السهام و تلاطم أمواج البحر ، كنت مع الإسكندر الأكبر حينما عبر "الأناضول" و وقعت معارك عنيفة بينه و بين الأخمينيين انتهت بإنشاء إمبراطورية مترامية الأطراف هجنت بين ثقافة الشرق و الغرب ."18" و عشت أيام الفلاسفة العظماء ، سقراط و أفلاطون و أرسطو و أنكساغوراس و أرخميدس و ابن سينا و ابن رشد و توماس الأكويني و ديكارت و كانت و هيجل و كارل ماركس و سارتر و كولن ولسن و سـتيفن هوكينك و محمد باقر الصدر و علي الوردي الفيلسوفين العراقيين العبقريين ، و طبعا لو ذكرت كل الفلاسفة الذين قرأت لهم لتطلب مني ذلك صفحات كاملة ، و لن أنسى طبعا مدرسة "الاستشراق" العظيمة ، هذه المؤسسات الغربية الرائعة التي درست الشرق بكل تفاصيله الثقافية و الدينية و الاجتماعية و السياسية . و في فترة من الفترة حاولت أن أعوض عن افتقادي للمدرسة و الدراسة المنهجية بأن أدرس لدى رجل دين في الجامع ، لكنني و بعد حضوري لأكثر من عشرين درسا ، شعرت أني لا أنتمي إلى هذه البيئة القائمة على الثقافة التقليدية و تقليد الماضي و تعظيم الآباء و الأجداد ، و رغم اطلاعي المحدود بسبب منع النظام للكثير من الكتب ، لكنني خرجت من ثقافة العميان و التلقي الأعمى إلى حيث العقل و المنطق و رغم كل الشك و المشككين بدءا من الغزالي "توفي عام 1111 م" و مرورا بتوماس أكويناس أو الأكويني الذي جاء بعده بقليل ، و انتهاء بهيوم ، لكن يبقى العقل هو الذي يوجه الإنسان ، رغم تعطله أحيانا بفعل الرغبات و الحاجات ، إذ يبقى العقل و حب الذات محور الحضارة ."19" إن المجتمع العراقي في هذه الفترة كان يعيش أكثر التحولات السلبية و كانت الهوة تتسع بين ثلاث مكونات أساسية هي السلطة و المثقف و المجتمع بغالبيته الجاهلة ذات الطبيعة البدوية الخشنة ، إن تطبيق الديمقراطية أمر ممكن في العراق لكن لا بد من توفير جملة ظروف بيئية و سياسية سنأتي على ذكرها في فصول قادمة من الكتاب . كنت أطرح على نفسي ذلك السؤال الذي كان يطرحه المثقفون الحقيقيون و هو ما جدوى القراءة و الكتابة و الدراسة إذا كانت الثقافة آخذة في التحول إلى سلاح ذي حدين ، فإما أن تروج و تقول ما يمليه عليك العقل و الواقع و حب التغيير ؟!! أو تصبح بوقا أو مروجا لثقافة السلطة ، و كنت أحتقر نفسي أشد الاحتقار لمجرد التفكير في الاتجار بمواهبي ، و فعلا حلت أكثر من فرصة لهذه التجارة و عرض عليّ أُناس ذوي نفوذ و سلطة أن أسخر مواهبي للحكومة و وعدوني أنني سألتقي السيد الرئيس "الطاغية" شخصيا ، لكنني رفضت رفضا قاطعا و من دون كثير تردد ، لكنني لم أعلم أنني سأنجر وراء حزب قومي آخر و لظروف قاهرة جدا . و كنت أرى اؤلئك المرتزقة "أشباه المثقفين" يركبون السيارات الفاخرة و يمتلكون أفضل البيوت ، و لكنني كنت أتذكر قول السيد المـــسيح : ماذا ينفع الإنســان لو ربح العالم و خسر نفسه .."!! كانت تلك المقولة بحق وصفا و حكمة ممتازة ."20" عاش العراقيون آنذاك أزمات كثيرة ، عدى أزمة الخوف من السلطة ، كانت الأسواق تشهد غلاء متصاعدا و الدينار العراقي المسكين يترنح جراء سياسات البعث ، كانت المعارك محتدمة بين العراق و إيران من عام 1980 و حتى 1988 م و النظام غير آبه بعدد القتلى و الضحايا و الخسائر ، فالمهم هو البقاء في السلطة و التصرف بالبلد و كأنه ملك خاص لصعاليك "تكريت ـ المدينة التي يسكنها الطاغية و عصابته" و كان العراق يعاني من ظاهرة أخرى ، على العراقيين أن لا ينسوها أبدا ، فبينما كان مئات الآلاف من الشبان العراقيين يستقبلون الموت بصدورهم أو يتحولون إلى معاقين و مشلولين ، كان مئات الآلاف من حثالة العرب "مصريين و أردنيين و ليبيين و سودانيين" يعيشون في البلد و يحولون ملايين الدولارات إلى بلدانهم . و لم تكد الحرب تنتهي ، و التي سمعت من قصصها البشعة الكثير ، حتى التفت الطاغية ليجد العراق ، ذلك البلد الذي يمتلك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم و يمتلك عدى ذلك نهرين و ثروة زراعية هائلة و أرضا سياحية و معادن و عقولا عبقرية ، بلدا مخربا قد فشت فيه الجريمة و تشوهت ثقافته و تزعزعت وحدته فبات جملة شعوب متصارعة و متحينة للفرص لتتسلط على بعضها البعض ، و حل الفقر و الجوع و الخوف ، و لم ندري أننا سنبقى نعاني من ذلك لسنوات طويلة ."21" خلال الأعوام 1988 و حتى 1990 م بقي النظام ينشر مزاعمه حول البناء و إقرار دستور جديد و إصلاح ما تهدم ، و ما فضح النظام أمام أعين العراقيين ، و هم ذلك الشعب الذي يشك و يتذمر من حكامه منذ صدر الإسلام "أي منذ حوالي القرن السابع الميلادي" ، أن العراق قبل شروط وقف إطلاق النار مع الإيرانيين متنازلا عن أراضي كانت المطالبة بها الحجة التي اختلقها النظام للحرب ، كانت فترة قلقة ، دول الخليج "و هي ممالك و إمارات عشائرية بدوية" نظرت إلى العراق ـ صديق الأمس ـ نظرة شك و خوف ، و إيران الدولة المتطرفة الداعمة للإرهاب و التي حاربت العراق بزعم أن هذه الدولة تحارب النظام الإيراني الديني بالنيابة عن عدوتها الولايات المتحدة و الغرب ، هذا النظام نفسه هو الذي كان السبب في إبقاء البعث في السلطة بل و دخل معه في حلف غير معلن ، و بذلك أثبت رجال الدين "الملاية" أنهم أكثر "ميكافيللية" من العلمانيين الذين انتقدوهم لعقود ، و لم يجد نظــام البعث حلا لإبقاء سيطرته على العراقيين إلا أن يقتحم بهم حربا أخرى و يتحدى المعسكر الغربي الديمقراطي ظنا من النظام أن علاقته الحميمة مع النظام الشيوعي السوفيتي ستشفع له و تحميه ، فاقتحم العراق دولة الكـويت في فجر الثاني من آب 1990 م و بعد إجراء تمثيلية "مهزلة" تزعم أن ضباط كويتيين قاموا بانقلاب ضد الأمير و استنجدوا بالعراق لمساعدتهم ، و كان والدي قد توقع في الليلة السابقة لاقتحام الكويت أن يقوم العراق بذلك قائلا على سبيل السخرية : ـ صدام طاغية مجنون و ممكن أن يفعل كل شيء .. كأن يحتل الكويت .."!! و كان الأمر ، الذي فاجأني كما فاجأ العراقيين كلهم ، أن يقتحم العراق الكويت ، و كانت الأشهر السبعة التالية فترة مخيفة حقا ، إذ كان الجميع يتحدث عن أن العراق من الممكن أن يتعرض لحرب نووية و خصوصا أن تلفزيون النظام بدأ يبث برامج عن مواجهة أخطار التعرض لضربة نووية ، لكن و خلال مرور أشهر طويلة ، راح البعض يشكك أنه من الممكن أن يتعرض العراق لأي تهديد غربي ، منطلقين من نظرية المؤامرة “plot theory” و أن صدام هو "عميل أمــريكي" و أن "الموسـاد الإسرائيلي ـ الذي يمتلك صلاحيات الآلهة ـ قد قام بتجنيده ليتولى الرئاسة" و أظن أن عملاء المخابرات الحكومية و أنصار "حزب البعث" كانوا يروجون لهذه الأفكار ، لعلمهم أن مثل هذه سيقوي النظام و يضعف احتمالات سقوطه ."22" و في تلك الفترة حينما كنت أشجع عائلتي على الاستعداد للفرار إلى القرية "حيث يسكن جدي ـ والد أمي ـ و اسم القرية قدش" ، كان بعض أقرباءنا يضحك قائلا : هل تظنون أن الحرب ستقع حقا ؟! لن يحدث شيء من ذلك " ، و كانت عمّتي تقول ضاحكة : لماذا تتعبون أنفسكم ، لن تكون هناك أي حرب فالغربيون متفقون مع صدام و لن يضربوه" ، من الواضح أنهم كانوا مخدوعين ، و عندما اقتربت ساعة الحسم في منتصف كانون الثاني 1991 م موعد الإنذار الأخير للتحالف تجاه العراق ، انتقلنا إلى القرية ، و لن أنسى تلك الفترة ما حييت ، فقد أجبر "حزب البعث" والدي على العمل كحارس لبعض الأبنية طوال فترة الحرب ، لذلك كنا قلقين عليه ، و قبيل اقتحام صدام للكويت ، كان أخي الأصغر "محمــد" قد فتح عينيه على الحياة ، و ليعيش مأساة شبيهة بتلك التي أعانيها ، إذ أنه كان معوقا و مشلولا مثلي و موهوبا فيما بعد . أذكر تلك التي بدأ فيها "التحالف" الهجوم على العراق بعد رفض صدام الخروج من الكويت ، قبيل الفجر و بينما أنا بين النوم و اليقظة ، سمعت جدي يخبر الجميع أنه سمع من إحدى الإذاعات أن طائرات التحالف بدأت الهجوم على العاصمة العراقية "بغداد" في الساعة الثانية ليلا ، كنت أظن على خلاف البقية أن الحرب ستكون قصيرة و مجرد أسابيع ، و فعلا كان شهر واحد كفيلا بالقضاء على جيش صدام ، و كنا نسمع أزيز الطائرات ليلا و نهارا ، و أحيانا كنا نسمع دوي المضادات الجوية العراقية تطلق على الطائرات التي كانت تطير على ارتفاع شاهق جدا و عبثا حاولوا إسقاطها ، كان ذلك الشهر بالنسبة لي أشبه بسنة طويلة ، كان الجو باردا جدا و رغم مدفأة الحطب التي كان جدي حريصا على أن تتقد حرارة من أجلي و أخي ـ و أنا أحدثكم بذلك و أنا مشتاق إليه لأنه انتقل إلى العالم الآخر ـ رغم ذلك كنا نحس أن الجو بارد حقا . خلال أسابيع سمعنا الإذاعات تتناقل أخبارا عن تراجع الجيش العراقي و أنه على وشك الانهيار ، كان أقاربنا الساكنون في القرية يجتمعون لتبادل الأحاديث حول المستقبل : هل سيسقط صدام و نظامه ؟! ما هي العقوبة المناسبة لصدام و أزلامه ؟!! و راح الجميع يطرح اقتراحات متنوعة و كأن صدام و أعوانه قد أصبحوا في عداد المدحورين ، أقترح البعض قتله بالكيماوي كما فعل بحلبجة و اقترح آخرون وضعه في قفص و جعل الشعب يتشفى منه مقابل مبلغ مالي عن كل بصاق أو صفعة أو ركلة و ضربة حذاء ، و طبعا كان الجميع مبتهجا و وجلا في الوقت نفسه ، بينما كنا قلقين على أبي و أخوالي اللذين كانا في الجبهة ."23"

 ********************الفصل الرابع****************************

 لم ندري آنذاك أن تطورات إقليمية و دولية ستبقي على صدام و نظامه في السلطة ، و أن إيران "النظام الراديكالي الذي دخل حربا طاحنة مع صدام" سيتسبب في الإبقاء على هذا النظام و بشكل أقرب إلى الجنون ، بينما كان شيعة العراق مخدوعين ـ و لا زال كثير منهم إلى الآن ـ بشعارات التشيع الكاذبة التي يرفعها هذا النظام الدكتاتوري الإرهابي ، و طبعا كنت من هؤلاء المخدوعين ، كانت هزيمة صدام في الكويت فرصة حقيقية للعراقيين للانتفاض ضد النظام الذي أذاقهم المر ، و أول إشارة سمعناها عن الانتفاضة أن دبابة عراقية في أقصى الجنوب أطلقت قذيفة على صورة كبيرة للطاغية صدام ، و حدثت انتفاضة مماثلة في الشمال الكردي أيضا ، لكنها كانت أقل حدة من الجنوب خصوصا و أن الأكراد يتعاطفون مع النظام من الناحية الطائفية الدينية ـ فهم بأغلبيتهم سنيون ـ لذلك وجد كثير من البعثيين أنفسهم بين أناس يحمونهم في الشمال العراقي عند انتفاضته ، لكن صدام "الذي يعتبر نفسه إلها لن يغفر لهم انتفاضتهم ضده" ، و كنا آنذاك في طريق العودة إلى الموصل ، حيث نسكن ."24" سمعنا بعد عودتنا أن النظام على وشك الانهيار و أن هناك إشاعات مفادها أن صدام على وشك الهرب ، أدارت إيران ظهرها للشيعة و دفعت البعض من الشيعة أن يهتفوا ضد أمريكا و إسرائيل مما أثار مخاوف الغرب فتغير القرار في آخر لحظة حيث قررت الولايات المتحدة أن الانتفاضة العراقية "شأن داخلي" ، فسالت الدماء في الشمال و الجنوب ، لكن الأكراد و لحسن حظهم لاذوا بجبالهم و بالتالي التفت العالم إلى هربهم الجماعي ، أما أهل الجنوب فقد وقعوا ضحية السياسات الإيرانية و حماقات قياداتهم الفاشلة . كانت فترة مخيفة حقا ، فقد قلقنا على أقاربنا الذين فروا إلى الجبال و كانت الحكومة تعتقل الأكراد في الموصل و تزج بهم في السجن ، أخذ بعض أقاربنا بالهرب إلى منزلنا ، كان هناك أكثر من عشرة شبان قلقين و خائفين لا يدرون ما المصير الذي ينتظرهم ، أما أبي فقد قام بخطة جريئة ، فبينما كان الأكراد يختبئون هنا و هناك هربا من المجاميع الأمنية التي أخذت تجوب الشوارع و تداهم البيوت بحثا عمن تعتقلهم ، أخذ أبي يتردد على المقاهي أو يجوب الأسواق و هكذا نجا من الاعتقال حيث لم يشك به أحد ، قرر أخوالي أن يهربوا إلى الشمال البعيد إلى الحدود التركية و معسكر اللاجئين حيث عاش الناس أحلك و أصعب الأوقات ، و كانت تلك حقا سنوات مــليئة بالأحزان و المآسي ، و في الأشهر التالية التي شهد فيها العراق مذابح و جرائم رهيبة في أيام سحق الانتفاضة الشعبية ، شهدت الموصل جرائم بشعة قتل فيها حتى أطفال صغار ، و كنا ندرك أن الحكومة و عملائها هم من يقوم بمثل هذه الجرائم بهدف إرهاب الناس ."25" أخيرا قام الحلفاء بخلق منطقة آمنة للأكراد في الشمال ، و طوال العام 1992 م دخلت في نقاش طويل مع أبي و أمي حول الانتقال إلى هذه المنطقة الآمنة ، حيث لا يوجد البعثيون ، و لم أعلم آنذاك أن هذه المنطقة ستعيش دكتاتورية شبيهة بحكم صدام ، أخيرا و بعد صعوبات كثيرة استطعنا أن نهرب إلى المنطقة الشمالية و بعد أن بعنا ما نملك من أثاث و تجهيزات منزلية بأقل الأسعار و بعت كل ما أملك من كتب و بثمنها اشتريت لنا في الشمال كمية من النفط تكفي لشهر واحد من أشهر الشتاء الطويل ، كانت المنطقة الشمالية محكومة من قبل الأحزاب الكردية ، و لا أنكر أن المنطقة شهدت مدة قصيرة من "الديمقراطية" و لكن يبدو أن الفترة الديمقراطية هذه لم تكن إلا فترة الاستعداد لحكم  و الحرب الأهلية الكردية ـ الكردية ، و الذي زاد من الطين بلة تزايد نشاط التطرف الإسلامي و سأحدثكم كيف تقاطرت الأحزاب على منزلنا في محاولة لكسبي إلى جانبها . من الطبيعي أن إنسانا "منعزلا" عن العالم ، من الصعب عليه أن يدرك طبيعة مجتمع متخلف و قائم على النظام العشائري و القبلي و العلاقات الشديدة التعقيد بين تنظيمات سياسية متخلفة تنتمي إلى هذا المجتمع ، سارع الإسلاميون و أنصار "البارزاني" إلى زيارة منزلنا و كل واحد منهم يحاول كسبي إلى جانبه ، بل إن محافظ مدينة دهوك "عبد العزيز طيب" زارنا شخصيا و مردفا بالحماية المسلحة و عدد من المسئولين و الصحفيين ، و لأني و عائلتي لا نملك التلفزيون بل و حتى التيار الكهربائي ، فقد أخبرني البعض أنهم شاهدوني على شاشة التلفاز ، قام المحافظ بمساعدتنا و لكن بقيت مشاكلنا معلقة و من دون حل ، و أعتقد أنهم تعمدوا تركها معلقة لكي نبقى في حاجة إليهم ، أما الإسلاميون فقد أثار غيظهم أنني كنت أنتقد و بشكل مستمر ثقافتهم السطحية و التقليدية ، رغم أني أيضا كنت لا أزال في مرحلة التحولات ، قررت أن لا أكون عبدا ، لذلك فحتى عند إقامتي أكثر من معرض فني للحزب الحاكم إلا أنهم أدركوا أنني فعلت ذلك تحت ظروف قاهرة ، حيث بالكاد كنا نحصل على وجبة طعام لا تكاد تسد الرمق ، و راح وعيي السياسي يتسع لأكتشف أن الدكتاتور واحد ، سواء كان اسمه "صدام" أو أي اسم آخر . "26" كانت تلك السنوات تمتاز بشيئين ، فقد حصلت على شيء من الحرية ، و الفضل في ذلك طبعا عائد إلى الولايات المتحدة و التحالف الغربي الذي كان يقوم بحماية هذه المنطقة ، و استطعت أيضا أن أدرس و أقرأ كتبا لم أكن أحلم حتى بقراءتها ، لكن الجانب "العاطفي" من شخصيتي بقي يعاني من فراغ إلى الآن ، نحن الشرقيون "المسلمون على الأخص" متخلّفون في هذا الجانب ، فالحب و الصداقة و الزواج هو شيء متوفر للميسورين و الأغنياء فقط ، كما أنه من المستغرب في الشرق أن تبدي رغبتك كمعوق بالزواج فذلك سيثير الضحك و السخرية ، لقد أحببت فتاة في حياتي ، و لن أنكر ذلك ، لكنني منذ سنوات طويلة تخليت عن الأفكار الرومانسية و لم أعد أصدق بشيء من ذلك ، كما أني أصبحت أفقد مشاعري كإنسان شيئا فشيئا و أدرك الآن أن هناك شتاء قاسيا قد حل في قلبي ، لكن لا بأس سأواصل طريقي رغم كل الصعوبات و رغم تنامي الشعور بالوحدة و وحشة الطريق خصوصا و أنت تواجه "الدكتاتورية" بكل بشاعتها و إجرامها و المجتمع بكل ما فيه من خرافات و أباطيل . اكتشفت أن المجتمع الكردي "قبيح" حاله حال المجتمع العراقي المتخلف ، إنه مجتمع يؤمن بالقيم العشائرية و القبلية و مفاهيمه عن "الأخلاق" و "الشرف" و "العفـّة" هي مجرد شعارات تخفي أخلاقا و طبعا قبيحا و دفاع المجتمع الكاذب و المتطرف ، تناقض و تجافي حتى أكثر المذاهب "الإسلامية" تطرفا و تعصبا ، لذلك كان التدين المتطرف يجد لنفسه مكانا وسط هذا المجتمع البدائي و القاسي ، و فعلا نشبت حرب أهلية "كردية ـ كردية" استمرت لسنوات ، و كان المواطن العادي "الفقير" هو من يدفع الثمن بمعاناته و تدهور الأوضاع و فقدان الخدمات ، و أذكر أنني ـ ككثير من المواطنين ـ و عائلتي ، قضينا سنوات من المعاناة من بــرد و حــر ، حاولت أن أقضي وقتي في شيء مفيد و أن لا أترك الدكتاتورية تنتصر علي بأن يذهب عمري سدىً و هباءً ، فقرأت عشرة مجلدات من "تاريخ الطبري ـ و هو كتاب ضخم قديم في تاريخ الإسلام" و قرأت "قصّة الحــضارة ـ للكاتب الرائع ول ديورانت" و الذي يقع في عشرين مجلدا ، و قرأت أيضا سبعة عشرة مجلدا من "دائرة المعارف الإسلامية" و هو كتاب رائع من تأليف مجموعة كبيرة من المستشرقين العباقرة ، درست أيضا كتبا كثيرة حول "الإرهاب و العنف في الإسلام" و كيف أن هذا الإرهاب ليس أمرا طارئا بل هو في عمق "الخلافات الدينية" و أن أول شخصية كبرى تعرضت "للذبح" و "الإبادة" مع عائلته و أنصاره هو الحسين بن علي ، حفيد النبي محمد ، و أدركت حينها أننا لا يمكن لنا أن نقضي على التدين "الإرهابي" من دون تدين آخر يقف بالضد منه ."27" إن الحياة التي أعيشها أصبحت غير ذات معنى ، إذ وجدت نفسي سجين "الشلل" و "المجتمع" و "السلطة" ، أشعر أنني آخذ في خسارة المشاعر ، فعندما تصبح الحياة ألما متواصلا و لا يكون هناك ما هو سعيد أو جميل أو سبب للأمل ، تأخذ الإنسان برودة و ذوبان في "العدم" و اللا وجود ، بحيث لم يعد عندي من فرق بين "الحيــاة أو المــوت" ، لأن الحياة التي عشتها لم تكن سوى آلاما و حرمانا و سجنا و فقرا و خوفا و رعبا ، بينما هناك "قلّة" تتمتع بالحياة و تحصل على ما تشاء و تسافر حيث تريد ، كل شيء لهم ، الفتيات الجميلات و البيوت "القصور" المرفهة و السيارات الفاخرة و ملايين الدولارات ، ترى إذا كنت ، أيها القارئ العزيز ، تعيش وضعا كهذا فكيف سيكون طعم "الحــياة"!! هل خُلق "سهيل" و "محمد" ليحرما من كل شيء ؟!! من الصحة و الغنى و الدراسة و أن يكونا ككل الناس المطمئنين ، أعتقد أن المسألة ليست موضوع "قدر إلهي" و أن المشيئة الإلهية أرادت لنا ذلك ، بل المسألة هو قرار إنساني بحت و لا علاقة للسماء أو المشيئة الإلهية بكل ما يحصل من ظلم الإنسان لأخيه الإنسان . ذات يوم و في 11 سبتمبر 2001 م و الساعة تشير إلى ما بعد الخامسة عصرا بتوقيت العراق المحلي و بينما أنا أقلب في القنوات التلفزيونية ، ذهلت لرؤية مشهد جعلني أندهش و أتساءل : ما هذا البناء الذي يحترق ؟! مكتوب على الشاشة "نيويورك ـ الولايات المتحدة" !! هل هذا فلم ؟! و فجأة رأينا طائرة أخرى تصطدم بالبناء الثاني و الناس في المكان يصرخون مستغربين مثلنا ، و أدركنا أن الولايات المتحدة تتعرض إلى هجوم ، حقا إنه خليق بالأمريكيين قبل غيرهم أن لا ينسوا هذه الجريمة البشعة ، و لا زلت أذكر كيف كان مشهد ذلك الرجل الذي رمى بنفسه من المبنى مؤلما ، شتمت "بن لادن" و أنصاره بأقبح الألفاظ فقد كانت تلك الجريمة تنم عن كل ما هو دنيء و قبيح و غدر ، لكن هذه الجريمة جعلت الولايات المتحدة تقرر تغيير سياستها و أن هناك عدوا جديدا للحضــارة اسمه "الإسلام الإرهــابي" القائم على الكراهية و مشاريع الموت و الخراب ، و لكن منذ جريمة "11 سبتمبر" و تحرير الولايات المتحدة و التحالف الغربي للعراق و أفغانستان و أنا متفائل بأن هناك مستقبلا جميلا ينتظرنا رغم بلوغي منتصف الثلاثينات من العمر ، لقد غيرت أحداث سبتمبر الكثير من القناعات و السياسات و المناهج ، إنها بالأحرى "أرمــاجدون ـ المعركة الأخير بين الخــير و الشر" و نحن لا زلنا نعيش فقط بدايات هذا الصراع المصيري الذي بانتهائه يحق لكل مؤمن أن يعلن قرب ظهور المخلص الذي يؤمن به ، البوذيون و "بــوذا المنتظر" و اليــهود و "المسيح المنتظر" و المسيحيون و "المسيح يسوع الناصري المنتظر" و المسلمون ـ الشيعة ـ و "المسيح و المهدي المنتظران" في آخر الزمــان .

 E-mail: sohel_writer72@yahoo.com

Website:

 www.sohel-writer.i8.com

 

My Contact Information