My study about Shiism & Democracy
التّشيُّــع و الديمقراطـــية
بقلم : سهيل أحمد بهجت
الحلقة الأولى
خلال هذا البحث ، و الذي سأحاول فيه جهد الإمكان أن أكون منصفا فيه ، أن أطرح دراسة و بحثا كنت أود أن أكتبه بشكل أكثر تفصيلا لولا بعض العوائق الصحية و الظروف المادية الصعبة كقلة المصادر البحثية و المراجع و الموسوعات ، لكن مستقبل دراسة العلاقة بين "التشيع" كمذهب أساس في الإسلام ، و "الديمقراطية" كإنتاج حضاري إنساني و نظام للحكم ، يستحق منا البحث و التنقيب لإظهار فرص النجاح أو الفشل في تطبيق الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط ، حيث يتركز الوجود الشيعي . إن دراسة تعامل أي دين أو مذهب مع السياسة و أنظمة الحكم يجب أن تتم عبر دراسة "النص المقدس" و تعامل هذه الفئات ـ عبر مراحل تاريخية ـ مع أنظمة الحكم المتعددة ، و مدى تقبل الدين أو المذهب "متمثلا في رجالاته و مرجعياته الدينية" ، مع ممارسات و آليات الديمقراطية و النظم الانتخابية ، و لا بدّ ها هنا من دراسة "تاريخ التشيُّع" و "تاريخ النظام الديمقراطي" لكي نستطيع مقارنة صورتين و إيجاد علائق الصيرورة بين الحالتين . كما أن هنالك إشكالية كبيرة حينما نقول "التشيع" أو "الإسلام" ، و نقصد به "الشيعة" و "المسلمين" ، و العكس صحيح ، فالتشيع الذي سيتكرر اسمه خلال هذا البحث هو ما نعني به "التراكم الإنساني التجريبي المتغير" لهذا المعتقد ، و بالقدر الذي يكون فيه هذا "الدين" أو "المذهب" سماويا مقدسا ، فإن التراكم و التداعي التجريبي الذي يتحول في صيرورة مستمرة ، هو تراكم إنساني قابل للبحث و النقد و التمحيص الفلسفي التاريخي ، و ما دام كذلك فهو قابل للتغيير و الإبداع و خلق مفاهيم جديدة تتناسب و التحولات الحضارية و القيمية التي يشهدها العالم ، و طبعا فإن "الشيعة" هم في قلب هذا العالم ، و من حسن حظهم أن مذهبهم يمتلك هذه القدرة على التحول ، غير أنه لا شكّ أن هذا العمل صعب و شاق و يحتاج إلى تعاون الجانبين "الديني و العلماني" في الوسط الشيعي ، و بدون ذلك فالإصلاح و التحول مستحيلان. و الجانب المهم الذي ينبغي لدارسي "التشيع" ، سواء كان الباحث شرقيا أو غربيا ، ملاحظة ظاهرة "الاجتهاد" المستمرة في الوسط الشيعي ، رغم أن طبقة المجتهدين و الحوزات تعاني من كثير من القصور و الأساليب القديمة في التدريس و التعليم و يبدو أحيانا أن غالبية دارسي و طلاب الحوزة يعانون من ضعف في الإطلاع على الحداثة و فهم الفلسفة الحديثة التي خلقتها البيئة الديمقراطية الغربية ، لكن الأمر المميز هو أن كلمة "اجتهاد" في القاموس الشيعي لا تزال تحفل بالأمل رغم أننا هنا بحاجة إلى نقد حقيقي لهذه الكلمة ، بحيث نستكشف من خلال هذا النقد مناطق الفراغ و اللا مـُفكّر فيه في قواميس المجتهدين ، كما أن كلمة "مجتهد" رغم أهميتها في الوسط الشيعي ، إلا أنها بحد ذاتها لا تمنح العصمة "للمجتهد" كونه يُجهد نفسه للوصول إلى مــُـراد النص المقدس و كشف "الشيفرة" التي يحتظنها النص بين جوانحه. يقول آية الله الصادق الحسيني الشيرازي في كتاب "بيان الفقه في شرح العروة الوثقى ـ الاجتهاد و التقليد ج 1 ص 17 " و ما ذكره بعضهم : من أن الإجتهاد قوة قدسية ، أو نور يقذفه الله في قلب من يشاء ، و نحو ذلك ، فالظاهر من تأمل أمثال ذلك ـ و لو لمناسبة الحكم و الموضوع ـ أنه لا يريد الاجتهاد المصطلح بل يريد الآثار الآخروية المترتبة ، أو الإجتهاد الذي يجوز رجوع العامي إليه و تقليده ، و إلا فالإجتهاد الذي هو محل البحث ممكن الحصول للفاسق و العادل ، و المنافق و المؤمن ، بل و الكافر و المسلم ، و المرائي و المخلص ، و غيرهم ، لتسببه بإعمال القوة النظرية المذكورة..". نهاية الاقتباس. الملاحظ في هذه العبارات ذات المغزى الكبير ، أن هناك وعيا و فهما داخل الحوزة ، و إن استثنينا من ذلك البعض ، من أن "الإجتهاد" هو مسئولية و ليست عباءة مقدسة يرتديها من يشاء ، كما أن الاجتهاد يُمثل إذنا إلهيا يستند إلى جواز التجديد الديني بما يلائم العصر و الزمان ، إن مشكلة الحوزة هي أن أصول الفقه هي أكثر تطورا من الفقه نفسه ، خصوصا في جانبه السياسي. و الخمينية "الأصول الفقهية" أكثر حداثة و تطورا من نظيرها الآخر "الخمينية في فقهها السياسي" ، ففي أصول الفقه تقوم نظرية السيد الخميني على دور و بعدي الزمان + المكان = الزمكان ، في تأثيرها على المتغير الفقهي في أصوله الثابتة ، بمعنى أن "مسألة معينة" تختلف أحكامها بين الظروف الزمكانية المتغيرة ، بمعنى أن شيئا ما "حراما" يتحول بفعل "الزمكان" إلى "حلال" و "مباح" بل و ربما مرغوبا فيه ، و حسب هذه الأصول فإن أمريكا التي كانت "شيطانا أكبر" حسب مصطلحه ، تصبح "الملاك الأكبر و الأعظم" إذا ما توفرت أسباب التحول ، مع ملاحظة تحفظي الكلي على مواقف السيد الخميني السياسية و التي أراها خاطئة و مناقضة في تطبيقها الفقهي لهذه الأصول الفقهية القابلة للتطوير ، من هنا كان لا بد للحوزات الدينية من مراعاة الفارق بين "النص" كمقدس ثابت و الواقع غير المقدس و "المتحول", "المتغير" ، فمن دون ملائمة النص "الثابت" كتفسير و حتوى للواقع المتغير ، فإن كليهما "النص" و "الواقع" الذي ينتج منهما التطبيق ، يصبحان جامدين ، النص يصبح "تقليدا سلفيا جموديا" و "الواقع متخلفا ماضويا" ، من هنا لا بد من خلق مغزى أعمق لمسألة الاجتهاد ، خصوصا و أن الشيعة لم يسدوا باب الاجتهاد كما فعل السنة في القرن الثاني عشر الميلادي. كما يجب أن نلاحظ أن هناك أقسام و تيارات حتى داخل "التشيع" تختلف و تتباين و تتفاوت فيما بينها تطرفا أو اعتدالا ، و لا بد من الإشارة إلى أن التشيع كأي فكر أو منهج في الحياة البشرية يؤثر و يتأثر في الوقت نفسه ، كما أن التشيع يختلف عن المذاهب الإسلامية الأخرى في كونه يمتلك فلسفة تجعله يتكيف بسرعة مع المتغيرات ، فالتشيع مرّ بعدة تحولات و تغيرات ، التشيع في العصر العباسي يختلف عنه في العصر العثماني ، كذلك الحال مع التشيع في بداية القرن العشرين و التشيع في العقود الثلاثة الأخيرة و ظهور "فلتة ـ ولاية الفقيه" و الفوران الذي شهده الشرق الأوسط و إيران خصوصا. و الحقيقة أن أحداث 11 سبتمبر ، التي لم تهز الولايات المتحدة فحسب بل العالم بأسره ، كانت حافزا أساسا في طرح التساؤلات التي سنناقشها في بحثنا هذا ، خصوصا و أن "التشيع"يكاد يكون هو الخصم العقائدي الوحيد للوهابية "السلفية" التي اتسعت مع النفط السعودي و أذرعه الأخطبوطية ، رغم أن هناك خلافا شيعيا ـ أمريكيا أعتقد أنه في طريقه للذوبان تحت الشمس العراقية الجديدة . التـّشيــــــُّع تاريـــــخيـــــا .... التشيع Shiism اصطلاحا ، كلمة عربية تعني "التحزب" و تأييد رأي معين ، و الخلاف الرئيسي الذي جعل المسلمين الشيعة يختلفون مع "السنة Sunnism" هو موقفهم ، ليس من خلافة علي بن أبي طــالب للنبي محمد ، بقدر ما هو رفض أو قبول التاريخ الإسلامي ككل و أنظمته السياسية ، الدولة الأموية ـ الدولة العباسية ـ الدولة العثمانية ، فالشيعة ينتقدون هذا التاريخ الممتد إلى 1400 سنة مضت ، بينما السنة عموما ينظرون إليه بعين التقديس ، فالشيعة يعتبرون أن هناك انقلابا تم في صدر الإسلام و بالذات عند وفاة النبي محمد و نشوب النزاع بين القبائل العربية الرئيسية ، و خصوصا قبيلة قريش التي كانت الخصم اللدود للدعوة الجديدة و بين مرشح النبي محمد لخلافته و حسب الإيمان الشيعي ، أي الإمام علي ، هذا الانقلاب سمح لكل من طمع بالحكم أن يستولي عليه عبر الانقلاب ، إن المشكلة التي ظهرت في صدر الإسلام لا تزال كما هي إلى الآن ، و هي المشكلة نفسها التي نعانيها ، فكان الصراع الحقيقي الدائر في العالم الإسلامي هو صراع مفهومين متصارعين ، المفهوم الأول الذي حملته الفلسفة الشيعية هو أنه يجب أن يحكم "الأفضل" و "الأصلح" و إن لم يكن "الأقوى" ، بينما كان المفهوم الآخر "السني" يقول بأنه يجب أن يحكم "الأقوى" حتى لو كان "ظالما و مجرما"!! . إن هذا الصراع لا يزال موجودا ، لكن ليس بهذا الوضوح الفلسفي ، لأن كثيرا من القطاعات الشيعية تشوهت ثقافتها بفعل التراكم الثقافي و الاجتماعي و السياسي و جوانب أخرى يصعب تعدادها الآن ، و من أبرز هذه التشوهات هو ما يسمى بتيار "حـــزب الله" و ولاية الفقيه "النظرية الخمينية" التي تنسجم مع النظرية "السنية" في الحكم ، أكثر من التشيع ، و هي تشبه نظرية "الخلافة" أكثر من أي نظرية أخرى. إن معالم التشيع أصبحت أكثر وضوحا منذ اغتيال علي بن أبي طالب و قيام حكم بني أمية الذين كان شعارهم هو سب و لعن "علي" و كانوا يشنون الحملة تلو الأخرى لقتل و اضطهاد أنصار علي بن أبي طالب و التي بدأت بشكل عفوي في عهد الخليفة عثمان و أصبحت منظمة و مقصودة أيام معاوية بن أبي سفيان الذي استخدم أساليب وحشية مثل قطع الأطراف و الصلب و قلع الأعين و الموت البطيء عبر العطش ، و كان يكفي أن يقتل أي شخص لمجرد اتهامه بأنه من أنصار علي و آله ، كما أن فترة الاضطهاد الطويلة و التي لم تخف على الشيعة إلا في فترات متقطعة من القرنين التاسع و العاشر الميلاديين حينما قامت مجموعة دول شيعية ، كما لا يخفى على دارس التاريخ الإسلامي أن أحوال الشيعة كانت أفضل نسبيا في العصر العباسي ، و لكن عودة إلى العصر الأموي نقول ، أن بني أمية لم يكونوا على اختلاف مع آل علي لمجرد التصارع على السلطة ، بل كان الخلاف أعمق من ذلك بكثير ، فقد فسر الأمويون "الإسلام" على أنه دين خاص "للعرب" و أن هدف الدين الإسلامي هو فقط "إركاع العالم للعرب" و ربما كان الخليفة الثاني "عمر بن الخطاب" أول من روج لهذا المعتقد ، لذلك نجد أن غير العرب كانوا أسرع استجابة للمذهب الشيعي من العرب أنفسهم ، رغم أن مهد التشيع كان في العراق ، في الكوفة و كربلاء و البصرة و جنوب العراق عموما ، كما أن هناك وجودا شيعيا في شرق الجزيرة العربية و لبنان ، إن المذهب الشيعي يميل إلى المساواة بين مختلف الانتماءات العرقية و القومية أكثر من المذاهب الأخرى ، رغم أن أكثرية المرجعيات الحديثة تتبنى المنهج "القومي العربي" و ربما كان لعقدة الشعور بالنقص دور في ذلك ، بمعنى أنهم تخلوا عن أساسيات المذهب بفعل التأثير الإقليمي. و أوجد انعزال الأئمة عن السلطة ، ابتداء من الحسن بن علي و انتهاء بالحسن العسكري ـ والد الإمام الثاني عشر الغائب ـ أدى هذا الأمر إلى توجيه التشيع نحو التغلغل أكثر فأكثر بين الطبقات الفقيرة المسحوقة من قبل السلطة و الطبقات المترفة الحاكمة ، لذلك لا يحتاج الباحث إلى كثير تعمق ليكتشف أن الثقافة الشيعية ، بعكس تلك السنية ، تميل أكثر نحو البساطة و أن رجل الدين الشيعي كلما كان أزهد في الحياة و ملذاتها و ترفها و كلما ابتعد عن الحاكم و السلطان كان أكثر قبولا و شعبية بين الناس ، بعكس السني الذي يزداد حظوة كلما التصق بالحاكم و السلطة ، و نجد أن التشيع و بمرور الزمن لم ينجو ، كأي دين أو مذهب ، من أن تتغلغل إليه الخرافات و المبالغات العقائدية فيما يتعلق بالنبي و الزهراء و الأئمة ، و لكن يبقى التشيع رغم التراكمات سهل الإصلاح ، خصوصا و أن للعقل دورا أكبر في العقيدة الشيعية ، على عكس المذاهب الأخرى التي تشكك في قيمة العقل لا على سبيل "الفلسفة" أو "الحكمة" بل على سبيل تعطيل دور الدين في ردع "الحاكم" و "السلطة" . لم تتوقف العزلة على الأئمة ، بل امتدت إلى المراجع الدينيين و النقباء و الأشراف العلويين ، و لا زالت عزلة آية الله السيستاني و قبله أبو القاسم الخوئي و مراجع آخرين شبيهة بتلك المرحلة التي أخذت تنتهي منذ بداية القرن العشرين ، و إن كانت هذه النهاية إعلانا لظاهرة سلبية أخرى هي "حكم الفقيه" أو "ولاية الفقيه" ـ نظرية السيد الخميني التي سنناقشها في هذا البحث ـ فقد كان الشيعة ينظرون إلى السلطة على الدوام ، حتى في ظل الدول الشيعية ، على أنها عدو يجب الحذر منه ، و النصوص الدينية الشيعية كأصول الكافي للكليني و من لا يحضر الفقيه و .. غيرها من كتب الحديث المنقولة عن الأئمة و النبي ، كلها أو أغلبها يحذر من إتباع هوى السلطان و الحاكم . و الملاحظ أن الحضارة الإسلامية كانت تعيش أوج حالات الإبداع و خلق القيم الحضارية في الفترة الممتدة من القرن الثامن الميلادي و حتى القرن الحادي عشر ، و هي الفترة التي سادت فيه دول شيعية ، "الدولة البويهية" في إيران و العراق و "الدولة الحمدانية" في الموصل و شمال العراق و "الدولة الفاطمية" في مصر و شمــال أفريقيا ، "الدولة الإدريسية" في شمال أفريقيا ، و هذا طبيعي في ظل إيمان الشيعي أن على العقل أن يقرر ما هو حق و باطل و أن العقل مقدس إضافي للوحي ، بينما السني ـ حاله حال الخارجي ـ يؤمن بالوحي فقط و إن تناقض كليا مع العقل و الواقع ، فنجد أشخاصا مثل أبو العلاء المعرّي و الغزالي ـ فلو لا التشيع لما كان لهذا الفيلسوف السني وجود ـ و الفارابي و بن سينا و ابن الهيثم و ابن رشد و ابن خلدون ((راجع كتاب ـ منطق بن خلدون ـ للدكتور المرحوم علي الوردي)) ، كما أن الشيعة أنتجوا فيلسوفين كبيرين هما "الرازي ـ نحن ننسبه إلى التشيع كنتاج حضاري و إن كان متهما بالإلحادـ" و "الملا صدرا" ، و لكن التشيع أيضا شهد انقساما جذريا خلال القرون التالية ، و لربما كان هذا الانقسام واضح المعالم إلى الآن ، و هو أن التشيع يصنف الآن إلى قسمين ، فالأصوليون ـ و هم الذين يركّزون على أُصول الدين و رفض النصوص الآحادية غير المؤكدة ـ هم الآن يمثلون غالبية الشيعة ، يميلون إلى الملائمة بين النص و الواقع و أن هناك جانبا مهما يجب أن يلتفت إليه المجتهد و الباحث ، هو أن على النص أن يتعامل مع الواقع دون إغفال جانب التغيّر فيه و بالتالي إيجاد فلسفة واقعية اسمها "التأويل" ، و لربما كان على المجتهد أن يلائم النص مع الواقع لا الواقع مع النص ، فمن السهل إيجاد حل "فقهي" لكل مُستجد ، لكن أن يُرفض الواقع بحجة عدم ملائمته مع النص فهو أمر سلبي و فقه مقلوب . أما الطرف الآخر أو القسم الثاني فهم "الإخباريّون" الذين نستطيع أن نقول عنهم أنهم أشبه بالسنة منهم بالشيعة ، فقد كانوا يؤمنون أن على رجل الدين أن يتحرى في بحثه مراعاة "النصوص" و "الروايات" المنقولة عن النبي و الأئمة ، و أن على المجتهد العمل بالنص بمجرد أن يشتبه بصحة وروده عن المعصوم ، مهما كان هذا النص غير واقعي و مشكوك الصدور عن المعصوم . و عندما نقوم بمقارنة بسيطة بين كتب الفريقين ، نجد أن كتب الأصوليين أكثر قربا بالواقع و أسهل على التطبيق ، أما الإخباريون فقد استمروا بشحن كتبهم بالأحاديث و الروايات إلى حد أصبح للقصص الشعبي أيضا مكان في هذه الكتب ، فتجد فيها روايات و أحاديث يخال لك من خلالها و كأن الملائكة و الملأ الأعلى و الجن ليس لهم شغل غير خطبة "فلانة" للإمام الفلاني أو الاستبشار و الاحتفال بمولد الإمام الفلاني ، أنا لا أنكر أن الدين يؤمن بكثير من أمثال هذه الأشياء ، مثل مجيء المجوس الثلاث بحثا عن مولود اسمه المسيح ـ كما تنقل لنا كتب العهد الجديد ـ ، لكن من الواضح أن هناك نوعا من المبالغة جرى في هذا الجانب ، إن لم تكن المسألة قريبة من خرافة العشرة المبشرين بالجنة أو أسطورة الخلفاء الراشدين . النقطة المهمة الأخرى التي اتسم بها التاريخ الشيعي بدءا من الدولة الأموية و انتهاء بقيام الدولة الصفوية ـ التي كانت بداية خروج التشيع من عزلته ـ هذه الفترة تتميز بنمو التنظيمات السرية ، و هي حال كل الأديان و الآيدولوجيات الواقعة تحت الاضطهاد أو خطر الإبادة ، كالدين اليهودي مثلا ، و لأن التشيع تنوع بين "التشيع الجعفري الذي يؤمن باثني عشر إماما و هم أغلبية الشيعة في العالم" و "التشيع الفاطمي الإسماعيلي الذي يؤمن بالأئمة السبعة و هم الأقلية" و "التشيع العاطفي ـ و هم اؤلئك الذين ينتمون إلى مذاهب أخرى و لكنهم يتعاطفون فكريا مع الإمام علي و أبناءه المضطهدين" ، هذه التنوعات جعلت للتنظيم السري الشيعي يمتاز بأصناف ، فالتنظيم السري "الاثنى عشري" يختلف عن ذلك "الإسماعيلي" و بشكل كبير ، و كان التنظيم الإسماعيلي يتسم بالقدرة على المواجهة العسكرية كتنظيمات قادرة على القيام بعمليات اغتيال للشخصيات المعادية ، بينما كان التنظيم الاثنى عشري يقوم فقط بحشد الأنصار و تثقيفهم و تهيئة خلق مجتمع قابل للتغيير ، و حتى العباسيون ـ الذين كانوا شيعة في البداية ثم قرروا اعتناق المذهب السني لكونه أصلح لبقائهم في السلطة ـ استفادوا من خبرة الشيعة و نجحوا بفضلهم في الإطاحة بالحكم الأموي ، و يعزو بعض المؤرخين قيام المنصور الدوانيقي ، الخليفة العباسي الثاني ، بقتل كل من أبي مسلم الخراساني و أبي سلمة الخلال ، إلى أنهما كانا يؤمنان بالولاء لآل علي بدلا من آل العباس ، و بمجرد أن سقط بنو أمية عن الحكم ، تحول الاضطهاد من الأمويين إلى العباسيين ، لكن على الأقل و بمرور الزمن أصبح للشيعة حال أفضل من العهد الأموي بفضل بعض الخلفاء العباسيين ممن كادوا يعتنقون التشيع ، كالمأمون الذي كاد يسلم الحكم لآل علي لو لا أسباب كثيرة يطول شرحها ، و أعتقد أن المأمون ـ و هو يكاد يكون الفيلسوف الوحيد من بين الخلفاء ـ ظـُــلم من قبل الشيعة حينما اتهموه بأنه وضع السُّمّ للإمام الرضا "الإمام الثامن لدى الإثني عشرية" لكي لا يخلفه في الحكم و أظن أن المأمون كان شيعيا جادّا خصوصا إذا نظرنا إلى تقريبه للمـُعتزلة و هم المذهب الفلسفي الأقرب للشيعة .
E-mail: sohel_writer72@yahoo.com
التشيّــع و الفـــتح المـــغولي
أدى الصراع العباسي مع الدول الشيعية ، البويهيون في الشرق و الفاطميون في الغرب و الحمدانيون في الشمال و القرامطة في الجزيرة العربية ، و هم يتبعون المذهب الإسماعيلي ، أدى هذا الصراع إلى توتر العلاقة بين الدولة العباسية و الشيعة و عودة عهود الاضطهاد ، و كانت السلطة "العباسية" ذات الطابع المذهبي السني ، تتحيز ضد الشيعة عند نشوب فتنة أو حدوث مشكلة مذهبية ، و قد شهدت بغداد بعضا من هذه الفتن و التي كانت تتحول إلى ما يشبه المذابح . إن من يظن أن عهود الظلام في الإسلام بدأت مع الفتح المغولي ، يخطئ حتما ، فالأحداث التاريخية التي شهدها العالم الإسلامي خلال القرن الخامس و السادس الهجريين ـ الثاني عشر و الثالث عشر ميلاديين ـ تدل على تصاعد التعصب الديني و المذهبي و انحسار سيطرة "الإسلام العقلي" المتمثل في الشيعة و المعتزلة و فئة من السُّنّة "ابن رشد مثالا" ، و كانت الخلافة العباسية تعيش حالة رهيبة من الانحلال الخلقي و إهمال واجبات السلطة ، و الخليفة لم يكن له همّ سوى الجواري و الغلمان و مقارعة الخمر و قمع الشعب الفقير للاستمرار في الحكم . هنا و في بداية القرن السابع الهجري ، الثالث عشر الميلادي ، ظهر فاتح هز اسمه و اسم جيوشه التاريخ ، فعلى الرقعة الممتدة من شمال الصين حيث البادية الواسعة ، استطاع قائد مغمور اسمه "TIMU CHIN" و المعروف بلقب "جنكيزخان" ، أن يوحد القبائل المغولية من "مغول" و "تاتار" و "نايمن" و "المركيت" و هاجم الدول و الإمبراطوريات المحيطة بهم ، و خلال عشرين سنة فقط ، أنشأ إمبراطورية ممتدة من النصف الشمالي للصين و حتى شمــال إيران و حدود أوروبا الشرقية . و خلال خمسين سنة الأخرى توجهت أنظار المغول نحو منطقة الشرق الأوسط ، خصوصا و بعد أن تسبب سلطان "خوارزم" في حرب مع المغول دمرت مملكته و إلى الأبد ، و من هذه المرحلة و ما بعدها ، بدأ احتكاك الشرق الإسلامي بالمغول ، و من ضمنهم الشيعة طبعا ، إن الشيعة اتهموا من قبل السنة بأنهم هم من جلب المغول و دعاهم لتدمير الخلافة العباسية ، و الحقيقة أن المغول كانوا ينوون أصلا أن يفتحوا بلدان الشرق الأوسط ، بدون أن يدعوهم أحد ، و لكن تبقى الحقيقة التي تقول : أنه لو لا الفتح المـغولي لما استعاد الشيعة جزءا كبيرا من حريتهم ، خصوصا و أن المغول ، خصوصا "جنكيزخان" ، كانوا يؤمنون بحرية العبادة و المعتقد ، و هو أمر لم يعتده العالم الإسلامي ـ إلا من استثناءات نادرة ـ و بالتالي كان حق إعلان الدين و العقيدة مكفولا للجميع ، و الشيعة من بينهم. الملاحظ أن للشيعة أبحاثا و دراسات تتعلق بهذا الموضوع ، و من جملة ذلك ما كتبه الشيخ "عــلي الكَوراني" بعنوان "الشيعة هم من رد المغول" و البحث منشور على موقع منتدى البحرين ، و الحقيقة أن الأبحاث التي يصدرها كلا الطرفين ، السني و الشيعي ، لا تعدوا أن تكون أبحاثا مصممة مسبقا ، للدفاع أو الهجوم على صاحب العقيدة المخالفة ، و ليست بحوثا تاريخية تهدف إلى الإحاطة بتاريخ تلك الفترة ، المشكلة الأخرى فهذه الأبحاث هي أن الطرف السني مثلا يُصر على نظرية المؤامرة "الشيعية ـ المغولية" ، مع أن المد المغولي اكتسح جلّ العالم القديم و دون نظريات مؤامرة ، و المشكلة الأخرى أن الشيعة تعاملوا مع هذه "التهمة"! تعاملا ينطلق من عقدة "الشعور بالنقص" ، بالتالي يقوم باحثوهم بإنكار حقيقة الاستفادة الشيعية من قوانين "الحرية الدينية" التي قام المغول بتطبيقها ، و أنا شخصيا لا أرى في ذلك تهمة أو سبة ، من هنا انطلق الشيعة القدماء ، و يبدو أنهم لم يأبهوا لمزاعم الخصوم على عكس الشيعة في عصرنا ، فأكدوا : أن الكـــافر العـادل خـــــــير من المسلم الظـــــالم" ، و هو مبدأ كان موجودا في صلب العقيدة الشيعية ، لكنه أصبح أكثر وضوحا بعد الحريات الجديدة ، لكن هذا طبعا لا يعني أن الحال استمر كذلك ، إذ سرعان ما أصيب حكام المغول و أباطرتهم بأمراض المسلمين ، إذ تنافس الطرفان "السني ـ الشيعي" في إقناع السلطة بالقبول بنظريتها ، و كان الحــــكم المــغولي "الوثني" أفضل من ذلك الإسلامي ، إذ كان طرفا محايدا على الأقل. غير أن الحكم المغولي لم يدم أكثر من قرن و نصف ، في هذه المنطقة ، و تفتت السلطة المركزية و ضعفت أكثر فأكثر ، فأصبحت السلطات في ظل المماليك و إلى حين ظهور الامبراطوريتين "العثمانية" و "الصفوية" ، مجرد حكومات محلية ضعيفة لا تهتم إلا بجباية "الضرائب" و الولاء الشكلي أو الرمزي.
العصر العثماني
حقيقة أن الفترة الممتدة من القرن الرابع عشر الميلادي و حتى بداية الحرب العالمية الأولى و سقوط الإمبراطورية العثمانية ، كانت الفترة الأكثر ظلامية في التاريخ الإسلامي ، و فيما كان الغرب يخطو خطواته الجبارة نحو "التنوير" و "الحداثة" و "الديمقراطية" ، كان الشرق يتصارع حول مفهوم "الدولة الشرعية" و محاربة أعدائها ، حيث كان "السنة" و "الشيعة" يتبادلون هذه النظرة ، فالشيعي كان يرى لنفسه امتدادا طائفيا في "الدولة الصفوية" ، بينما كان "السني" يرى امتداده الطائفي و المذهبي في "الإمبراطورية العثمانية" و التي كانت لضخامتها قادرة على لعب هذا الدور . و كان مركز الصراع "الطـائفي" يتمحور حول "العراق" الذي كان له هذا العمق ، حيث المراقد و المقدّسات "السنية" و "الشيعيّة" على حد سواء ، و الذي زاد الوضع سوءا هو استغلال كلا الامبراطوريتين "الصفوية ـ العثمانية" للخلافات الدينية و تسخيرها في التنظير السياسي ، و لن أكون متحيزا لو قلت: أن رجال الدين السنة كانوا و لا زالوا أكثر طواعية للسلطة ، من رجال الدين الشيعة ، الذين يفضلون في أسوأ الأوضاع أن ينأوا بأنفسهم عن السلطة ، بينما كان من السهل على "السلطان العثماني" استصدار "فتوى" ، أو "إجازة دينية" من شيخ الإسلام "أعلى سلطة دينية في الإمبراطورية أو غيره من المفتين ، بقتال الشيعة "الروافض" ، أو العكس ، بمعنى عدم جواز القتال ، و كمثال راجع كتاب "رسائل في الرد على الرافضة: تأليف مجموعة من رجال الدين الأكراد : تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي". و شهد ذلك العصر ، إعلان الإمبراطورية "الصفوية" رسميا: عن أن "التشيع" هو المذهب الرسمي للدولة ، مما كان يعني أن الخصم الطائفي لـ"السنّة" أصبح مذهبا رسميا لدولة مجاورة ، و لربما كانت نزعة "التشيع" الأُممية ، سببا رئيسيا ، من ضمن مجموعة أسباب ، في انتشار التشيع بين الإيرانيين ، خصوصا و أن "المذهب السني" لديه نزوع أكبر نحو "القومية العربية" ، لكن "التشيع" تأثر سلبيا أيضا ، بإعلان الصفويين عن مذهب "التشيع" كدين رسمي للدولة ، إذ دخلت "العقلية الشيعية" في جدال "فلسفي" و "فقهي ديني" حول جواز دعم "السلطة" و إن زعمت اعتناقها المذهب الشيعي ، و اعتقد أن السبب الرئيسي في ذلك التردد ، هو اختلاف علاقة رجل الدين "الشيعي" بالسلطة و أبناء الشعب. فبينما يحصل رجل الدين "السنّي" على مصدر عيشه من "السلطة" أو "الحاكم" ، فإن رجل الدين "الشيعي" ، يحصل على مصدر رزقه عبر الشعب ، و كلما ابتعد عن "السلطان" و "الحاكم" ، كلما ازدادت شعبيته و اتسع مصدر عيشه و تمكن من الانفاق على "طلابه" و مشاريعه ، لكن هذا لا يعني أن رجال الدين "الشيعة" لم يتعاطفوا على الأقل مع الدولة الصفوية التي أصبحت أملا للدفاع عن مظلمتهم. و رغم المجازر المتبادلة ، حيث ذبح العثمانيون آلاف "الشيعة" في "تبريز" الإيرانية ، و بغداد ، ثم انتقم الإيرانيون من "السنة" في العراق ، لكن أستطيع أن اؤكد أن علماء "الشيعة" لم يفتوا بقتال السنة على أساس طائفي ، بينما فعل الملاية السنة ذلك و بدون تردّد ، لكن و بعد أن انتقلت الدولة العثمانية من مرحلة التوسع السريع إلى استقرار الدولة في بداية القرن الـ 17 م ، ففي الوقت الذي كان السلطان "سليم ياووز" و ابنه "سليمان القانوني" متعطشين إلى إراقة دماء "الكفار ـ الشيعة و المسيحيين" ، كان السلاطين الذين جاءوا من بعدهم "باستثناء مراد الذي قتل الشيعة عند فتح بغداد 1638 م" ، أكثر تفاهما مع مواطنيهم الشيعة ، و كان لتحسن العلاقات و سوءها بين العثمانيين و الصفويين ، أثره البالغ على العلاقات السنية ـ الشيعية ، خصوصا في العراق. و شهدت العلاقات الطائفية بين "الشيعة" و "السنة" حالات متفاوتة منذ حكم "نادر شاه" الذي انتقل من المغالاة في التشيع إلى الحالة الوسطية "العلمانية" محاولا الحصول على موقف وسطي و خلق إمبراطورية متجانسة تتجاوز الحدود الإيرانية ، خصوصا و أن الرجل عرف عنه أنه "فاتح قاس القلب" ـ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث: علي الوردي ـ لكن من الواضح أن جهوده هذه ذهبت أدراج الرياح ، بمعنى أنه قد فشل ، و كان ذلك وسط قرون كان الشعور الطائفي "في قمته". استمرت الحوزات العلمية "الشيعية" تعيش بعيدا عن السياسة و الحكم ، لكن القرن 18 م كان بداية ظهور تيار جديد وسط "التشيّع" كان أشبه بـ"نزعة صوفية" وسط مدرسة مليئة بالمنطق و "فهم الواقع" ، كان لظهور الشيخ أحمد الأحسائي ـ نسبة إلى منطقة "الإحساء" شرق الحجاز ، دور كبير في جعل المذهب "الشيعي" أكثر مثالية "طوباوية" و بعدا عن الواقع ، و صار يعتمد ، حاله حال "الصوفية" في الوسط السنّي ، على العواطف و "الخوارق" و المعجزات ، دون المنطق "الجدال" الفقهي و الفلسفي ، و أعطى الشيخ الأحسائي و جماعته "الشيخية" دفعة قوية للتيار "التقليدي ـ أهلُ الحديث" في مواجهة "الأصوليين" الذين كانوا يتقلبون بين "الواقع" و "النص المقدّس" ، و كان للشيخية دور في ظهور الحركات "القاديانية" و "البابية" و "البهائية" ، و لا زال لها تأثير واضح في ثقافة "جماعة الصدر" إلى الآن ، لكن من الواضح أن رجال الدولة الإيرانية في "الجمهورية الإسلامية"!! يتعاملون مع بعض الشخصيات "الدينية" عبر نظرية "المؤامرة" يقول وزير الخارجية الإيراني الأسبق ـ على أكبر ولايتي "مــجلة التقريب ـ العدد 14 المقال:مقدمة فــكرية لحــركة "المشروطة ـ الدستور": هذا الرجل ـ أي الأحسائي ـ ظهر بشكل مجهول، وأشاع أفكارا هي مزيج من غلو وخرافة وانحراف، ثم اختفى بشكل مجهول. سمى نفسه بالشيخ أحمد الاحسائي وأهل الاحساء في شرق الجزيرة العربية لا يعرفون عنه ولا عن أسرته شيئاً، ولم تعرف المدارس الإسلاميّة في العالم الإسلامي عنه شيئاً. يبدو أنّه استطاع أن يحصل في البحرين على إجازة رواية الحديث من «الشيخ حسين آل عصفور» وعلى إجازة مماثلة من «الشيخ كاشف الغطاء» في النجف. وكلاهما صرّحا في الاجازة بعدم معرفتهما بالاحسائي، بل رأيا أوراقا فيها شرح لكتاب «التبصرة» ادّعا أنّه حررها بنفسه، وأقام الشهود على ذلك، وبعد أن افتضح أمر الرجل تبين أنّه لم يكتبها وادعاها كذبا لنفسه. نشط هذا المتشيخ في بث أفكاره وكان لها أثرها في إيران وملخصها: «أن المعصومين الأربعة عشر هم(الحقيقة المحمدية)، وهذه الحقيقة هي نفسها الحقيقة الإلهية!! ثم إنه هو(الشيخ أحمد) جزء من الحقيقة المحمدية، ومعرفته تشكل(الركن الرابع) من الدين. ومن عرف هذا الركن الرابع حق معرفته فقد أمن من عذاب النار ولو ارتكب المعاصي والمحرمات، وترك الواجبات». ويذكر الشيخ الخالصي أن هذا الرجل كان له الدور الكبير في إشاعة المنكرات والمعاصي بين الناس. وأصدر علماء النجف وإيران على أثر ذلك الحكم بتكفيره، ثم اختفى فجأة ولم يعلم له أثر. وشاع في إيران آنئذ أنّه راهب مسيحي هدفه زلزلة وحدة المسلمين وزعزعة استقلال إيران. "نـهاية الاقتباس" من الملاحظ مدى التحول الخطير الذي يعيشه التشيع الآن ، فكون "الشيخ الإحسائي" شذ عن بعض معتقدات الشيعة عموما ، ليس مبررا لهؤلاء ، ولايتي و من على نهجه ، أن ينفوا حقيقة وجود الرجل و تنزيه الخط الشيعي عن الخطأ ، مع أني لا أعتقد أن "الشيخ الإحسائي" كان مخطئا ، فكل ما حدث هو قليل من الاستغراق "الصوفي" لا أكثر ، و سنتحدث بشكل أعمق عن أسباب هذا التوجه "الديني" في إيران المعاصرة أو العهد "الديني". و ينبغي أن لا ننسى أيضا أن رجال الدين "الشيعة" أخذوا في تطوير "فقه سياسي" منذ بداية القرن 19 م حين أخذت "الثقافة الغربية" و نظم الغرب السياسية ، تؤثر على إيران و العراق ، و كذلك انتعشت الحركة الثقافية الإيرانية ، و طبعا كان هناك مجال هائل للعلمانيين في إيران ، و وجد "أصحاب العمامات" أنفسهم مضطرين إلى التعاطي بالسياسة ، في الوقت الذي أصبح فيه من شبه المستحيل ، التفريق بينما هو "للشعب" و ما هو "للسلطة" ، مما كان يعني انخراطا تدريجيا "لرجال الدين" في السياسة ، يقول علي أكبر ولايتي ـ وزير الخارجية الإيراني الأسبق ـ في معرض حديثه عن تعاطي رجال الدين "الشيعة" مع مسألة "احتكار الشركة البريطانية للتنباك": حين يئس رجال الحكومة من التفاوض لجأوا إلى التهديد، فقال مشير الدولة مخاطبا العلماء: «أيها السادة فكروا في عواقب هذا الإصرار». ثار السيد علي أكبر التفرشي أمام هذا التهديد وقال: «ما هذا الهُراء؟ ما معناه؟ ماذا تريدون أن تفعلوا بنا؟». فتحدث قوام الدولة وقال: إلغاء هذه الاتفاقية محال وممتنع. عاد السيد علي أكبر وقال: «يبدو أنك أنت رئيس دائرة التدخين واتفاقية رجي»! فقال أمين السلطان: «لا هذا قوام الدولة وزير الخارجية». فقال السيد محمد رضا الطباطبائي: «إذا كان هذا الحكم قد صدر عن الدولة فلابد أن توقع عليه الأُمة، وإذا كان قد صدر عن شخص الشاه فلم يكن ذلك من حقه أبداً». أنظر إلى جذور الديمقراطية والمشروطة في الفكر الديني وبين علماء المسلمين، وانظر إلى درجة شهامة المرحوم السيد محمد رضا الطباطبائي في موقفه من سلطة الشاه المطلقة وتصريحه برفضها أمام كبار رجال الدولة. وافهم من ذلك دور الدين في تحرير الأُمة من السيطرة الاستعمارية ومن الحكم الديكتاتوري في هذا البلد المسلم. على أي حال، لم يستطع رجال الدولة أن يتجاوزوا العبارة الأولى من اتفاقية التنباك، ووجدوا أن الطريق أمامهم مسدود تماما، فصرفوا النظر عن قراءة بقية الاتفاقية، وانتهى المجلس بأن يتعهد أمين السلطان من جانب علماء الشعب أن يسعى إلى فسخ الاتفاقية شرط أن يعلن العلماء بعد إلغاء الاتفاقية إباحة التدخين ونفي فتوى الجهاد. وتواصلت انتفاضة الشعب المسلم بقيادة علمائه الكبار يتزعمهم المرحوم الميرزا الشيرازي، وحققت انتصارها، واضطر الشاه ناصر الدين إلى إلغاء الاتفاقية، واقترض مبلغ500 ألف ليرة من البنك الشاهنشاهي الذي أسسه البريطانيون ."انتهى الاقتباس". من الواضح أن نجاح "الملاية" الإيرانيين في منع "ناصر الدين شاه" عن عقد الاتفاقية مع البريطانيين ، أطمعهم في الانجرار ، أكثر فأكثر ، للإنغماس في السياسة ، و بينما كان رجل الدين "السنّي" يتأثر بأفكار "القوميين" سواء "العرب" أو الأتراك" أو "الأكراد" ، كان رجل الدين "الشيعي" ، يتأثر بالمفاهيم و الفلسفة "الماركسية" و "الشيوعية" التي أخذت بالتنامي على أيدي "القوميين الإيرانيين" من هنا فإنك ستجد الملاية الإيرانيين و حتى العراقيين يستخدمون مصطلحات لم يكن يعرفونها و لو قبل قرن من الزمن.
العصر الحديث
نستطيع القول أن دور "الملاية" و "رجال الدين" في تغييرين جريا على الأرض الإيرانية ، كان كبيرا و إن بشكل مختلف ، فقد كان إقرار الدستور عام 1906 إيجابيا ، بينما كان قيام "الجمهورية الإسلامية" عام 1979 م نكسة حقيقية ، و كان لإقرار دستور1906 م و الذي نتج عن ضغط شعبي و بدعم من "العلمانيين" و "رجال الدين" ، فرصة لتقدم الديمقراطية في إيران ، و كانت إيران حينها أول دولة في الشرق الأوسط ، و حتى قبل الولايات المتحدة ، تعطي حق التصويت للمرأة و تمنحها مجالا واسعا للمشاركة السياسية ، كما أن إيران انتقلت من "الملكية المطلقة" إلى "الملكية الدستورية" ، و هو أمر إيجابي بالتأكيد. و ربما يتساءل البعض: إذا كانت إيران قطعت أشواطا بعيدة في التقدم نحو التحديث ؟! فلماذا انتقلت و بشكل تصاعدي نحو التدين "المتطرف" و انتهاء بثورة 1979 م ؟!. الأكيد أن هذا الموضوع شائك بعض الشيء ، و ربما كان "للماركسية" أيضا دور فيه ، و هو جواب قد يثير استغراب البعض ، لقد شهدت إيران خطوات جبارة نحو التحديث و المعاصَرة خلال السبعين السنة التي سبقت الثورة بل إن رضا شاه بهلوي و الد الشاه الأخير شجع نزع الحجاب و سفور المرأة و سمح بنشر المطبوعات اللا دينية و السينما على النمط الغربي الحديث ، حينها أصبح للإيرانيات مساهمات في أدوار الإغراء و السينما الواقعية ، و كان لاحتضان المثقفين "القوميين" و "اليساريين" للمفاهيم "الماركسية" و ترويجها في أوساط الطلبة ، و لا ننسى أنه كان هناك صراع بين السوفييت و الغرب على المنطقة الاستراتيجية في الخليج الفارسي ، هذه الطبقة المثقفة و التي تعاطفت مع حكومة "مصدّق" ـ المعروف بميوله الشيوعية ـ و سقوطه المفاجيء على يد مجموعة ، قيل إن الأمريكيين و البريطانيين دعموها ، و من إعدامه بعد محكمة "صورية" ، كل هذه الأسباب جعلت الإيرانيين يحتضنون "التطرف الديني" بل و يضغط العامة على هذا الاتجاه الديني نحو كراهية "الغرب". من الواضح أن المدارس الدينية "الحوزة" تأثرت بالأفكار الماركسية ، و باستثناء الجانب "الإلحادي" من الماركسية ، فإن كراهية "الرأسمالية" و "الغرب الإستعماري" وجد لنفسه رواجا بين رجال الدين ، و هذا لا يعني أن ليست هناك استثناءات و لكنها نادرة ، و في المرجعية الشيعية "العراقية ـ في النجف" انتقلت المرجعية من "الحائري" المنفتح على البريطانيين و المتفهم للواقع ، إلى "الشيرازي" المتطرف و اللا واقعي ، و حتى الأصفهاني و الخالصي ، بمعنى أن خط "التطرف" يشير إلى تصاعد وتيرته مع تصاعد "الحرب الباردة" بين الشرق و الغرب. و لكن هذا لا يعني أن الغرب لم يرَ أي إيجابيات في هذا الشعور الديني ، فالمعروف أن أحد أُسس الفلسفة "الماركسية" هو "عداء الدين" و اعتبار أي شعور ديني مجرد "أفيون" أو "مخدر" و أن الدين ينبع من "الأسطورة" و أنه "مجموعة أكاذيب" ، و بدورهم ، نظر المتدينون إلى "الشيوعية" على أنها تتآمر على لُبّ الثقافة الإيرانية "المذهب الشيعي و الإسلام" ، و من الطبيعي أيضا أن سلطة الشاه كانت تريد خلق هكذا مواجهة بين فريقين كلاهما يعادي "السلطة" ، كما أن التأثير أيضا كان متبادلا بين الطرفين "الديني" و الماركسي" ، فبينما نجد "امرأة شيوعية محجبة" نرى مقابلها "إسلامية تتحدث عن الصراع الطبقي" ، و هذا مجرد مثال ، كما أن تنامي "الشعور القومي" المتطرف على يد الشاه و جماعته ، كان سببا في تنامي التطرف الديني. فالمعلوم أن إيران دولة "متعددة القوميات و الأديان" ، و من الطبيعي أن يتسبب النظام السياسي السائد في إيران ، و الذي تبنى النظرية "القومي الفارسية" ، في زعزعة النظام و الترابط الاجتماعي و السياسي و في إيران توجد القوميات الفارسية و التركية الآذرية و الكازاخية و الأكراد و العرب و البشتون و غيرهم من الأقليات الدينية و المذهبية ، و كانت النتيجة أن تتصاعد الأيدولوجيات "الماركسية" و "الإسلامية" جنبا إلى جنب ، و بالطبع فإن "إيران الشيعية" ليست بمعزل عن التأثير "الشيعي العراقي" ، كما أن العكس صحيح ، فكان تنامي العداء بين "التّشيُّع و القومية" أثرا متبادلا بين البلدين "العراق و إيران" ، ففي الوقت الذي تصاعد فيه حسّ الكراهية و المواجهة بين "شيعة العراق" و "القوميين من البعث و الناصريين" ، حدث الشيء ذاته في إيران ، بين الشيعة و القومية الفارسية ، و أدت سياسات الشاه الخاطئة تجاه "الإسلاميين" و عبر "اضطهادهم" إلى تنامي الفكر الديني ، و كان لسوء الحظ أن قادت شخصية الخميني "القوية و المتطرفة" البلد نحو حقبة مظلمة ، أساءت لإيران ـ كبلد ـ و للتشيُّع ـ كمذهب ـ ، إن أي فكر عندما يصبح ممنوعا ، يحصل على فرصة كبيرة للرواج ، حسب القاعدة "كل ممنوع مرغوب" ، و بدلا من أن تكون "الثورة" خطوة نحو الأمام ، فإنها كانت خطوات إلى الوراء و نكسة و آفة أصابت التشيع. و مشكلة رجال الدين دائما ـ و الشيعة ليسوا استثناء ـ أنهم يفكرون بعواطفهم لا بعقولهم ، بمعنى أنهم إذا دخلوا في السياسة و نظم الحكم أفسدوها و جلبوا الخراب ، لقد تنامت خرافة "الشعور الإسلامي" لدى هذه المرجعيات التي تحمل في ذهنها كل أمراض "الماركسية" و "القومية" و "الإسلاموية" ، بشكل دراماتيكي متصاعد ، و كانت النتيجة أنها اختزلت كل الثقافة الإيرانية ، و شيعة العراق يعانون من المرض نفسه ، في "الولي الفقيه" و أحلامه و كوابيسه ، في خلق "الجنة الإسلامية" الممتدة من إندونيسيا و حتى موريتانيا ، كما أن "العلمانية الإيرانية" الحاكمة و المعارضة على حد سواء ، و بسبب تبنيها لنوعين من التطرف "الملكية القائمة على القومية" و ضدها "الشيوعية الماركسية" ، أسهمت في نجاح الإسلاميين "المتطرفين" و استيلائهم على الحكم. يقول عبد الجبار الرفاعي في بحثه المعنون "تحديث البحث العلمي في الحوزة الشيعية" و المنشور بتاريخ 3 \ 2 \ 2005 م على موقع Islam On Line : ثم تعزز الموقع السياسي والديني، وفيما بعد العلمي لمدرسة قم، بعد انتفاضة 1963 التي قادها الإمام الخميني، وانتهت بانتصار الثورة الإسلامية سنة 1979 وإقامة الجمهورية الإسلامية. وبعد ذلك التاريخ اتسع التعليم الديني في قم، وأخذ ينفتح على عوالم جديدة، ويحرث أرضا بكرا لم يدشنها من قبل، بعد أن انبثقت طائفة من الاستفهامات، وأثير العديد من الإشكاليات، وفجأة بدأ الدارسون في الحوزة العلمية يقرءون ويسمعون بما لم يفكروا فيه، وتفجر السؤال اللاهوتي الذي ظل غائبا عدة قرون. ولا ريب في أن الهوية الدينية لثورة 1979 ومساهمة الحوزة العلمية في قيادتها، وتعبئتها للجماهير، وما نحتته من شعارات ووعود متنوعة في تحقيق الاستقلال، والحرية، والأمن، والضمان، والرفاهية، والتقدم... وغير ذلك. والقول بأن الفقه وعلم الكلام وسائر المعارف الإسلامية الموروثة كفيلة بالوفاء بالمفاهيم والبرامج اللازمة لإنجاز هذه الوعود، وتجسيد تلك الشعارات في الحياة الاجتماعية، وضع الحوزة العلمية للمرة الأولى في مواجهة مباشرة مع الناس، ومتطلباتهم الحياتية المختلفة، مضافا إلى تصاعد وتيرة التغيير الاجتماعي واشتدادها في العقدين الأخيرين، بفعل مجموعة عوامل تقنية (ثورة الاتصالات) وجيوسياسية (حروب صدام الثلاث) واقتصادية (تراجع عوائد البترول) و(فشل مشاريع التنمية) وديموغرافية (تضاعف عدد السكان) و(الهجرة الواسعة من أفغانستان والعراق بسبب الحروب) ـ نهاية الاقتباس.
التّشيع و إشكالات ما بعد الثورة !
من الضروري هنا ، و نحن ندرس التحولات الخطيرة و الكبيرة في الوسط الشيعي الإيراني ، و سنتحث عن الوسط العراقي فيما بعد ، أن نلاحظ أن التشيع الجديد الذي برز قبيل و بعد الثورة ، يختلف جذريا عن التشيع الذي كان أكثر استجابة للحداثة و المعاصرة ، فبينما يغرق المؤدلجون ـ في عصر ما بعد ولاية الفقيه ـ في مظاهر و مصطلحات النقاش الفلسفي على الطراز الغربي ـ إلا أن التعامل دوما مع هذا المنطق ينتهي بطروحات ساذجة و سطحية و حتى انفعالية ، تجاه الرأي المخالف ، و بدلا من طرح قضية "نقد الذات" كخطوة للتطوير ، تغرق المدرسة الدينية الشيعية "الحوزة" في نقد الغرب و الحداثة ، بينما تقف تجاه "الذات + الأنا" موقف التقديس و الاحترام. يقول السيد عبد الجبار الرفاعي ـ الأستاذ في حوزة قم ـ : " منذ عشرين عاما بدأت تتشكل في طهران حلقات دراسية ونقاشية ، تهتم بالتفكير باستفهامات لاهوتية لم يعرفها المهتمون بالدراسات الإسلامية في إيران قبل هذه الفترة. تدور حول: ما يترقبه الإنسان من الدين، وجدل العلم والدين، والعقل والمعتقدات الدينية، وطبيعة التجربة الدينية، ومجال الدين وحدوده في حياة الإنسان، وهكذا حقل الفقه ومدياته، ومشروعية الدولة الدينية، وإمكانية توظيف المناهج والأدوات المعاصرة للعلوم الإنسانية في دراسة التجربة الدينية والتراث والنص... وغير ذلك، مما يعرف اليوم بمباحث «فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد» في إيران. وبالتدريج حفلت مجموعة من الدوريات الناطقة بالفارسية بهذه الموضوعات، واهتمت دور النشر بطباعة عدد وفير من الدراسات المترجمة عن الإنجليزية والألمانية والفرنسية، التي تتناول قضايا فلسفة الدين، واللاهوت الكنسي الحديث، والتعددية الدينية، والهرمنيوطيقا والتأويل، وفلسفة اللغة، والألسنيات، وفلسفة العلم... وغيرها. وكانت الحوزة العلمية في قم أول محطة لهجرة هذه النقاشات والكتابات من طهران، فقبل عشر سنوات افتتح الدكتور عبد الكريم سروش، وهو أحد أبرز المفكرين في هذا الحقل، حلقة لدراسة علم الكلام الجديد في قم، وظل يديرها بنفسه أكثر من سنة، وكان يختلف إليها نخبة من تلامذة الحوزة العلمية. واستعر السجال بين الدارسين في إيران حول مشروعية توظيف مناهج العلوم الاجتماعية الغربية، وهكذا أدوات ومقولات اللاهوت الجديد، في الدراسات الإسلامية، بل مشروعية الاشتغال على بعض المباحث، وتأجيج أسئلة، وإثارة إشكالات من شأنها أن تزعزع إيمان الناس وتعصف بمعتقداتهم. وبالرغم من هذه الاعتراضات وازدياد مظاهر الاحتجاج على هذا اللون من الأبحاث، فإن عدد المنخرطين في السجال اتسع، فاستوعب النخبة في الحوزة العلمية والجامعات، وصار من أهم مشاغل المنتديات الثقافية ومراكز البحوث، والدوريات الفكرية. ثم توغلت هذه المباحث في أقسام دراسات الفلسفة وعلم الكلام وغيرهما في كليات الإلهيات والشريعة." ـ المصدر السابق. فالملاحظ أن التشيع الجديد ، في حقيقته ، معاكس للتشيع القديم أو بالأحرى يقف بالضد منه ، فمهما حمل التشيع القديم من "خرافات" و "طقوس" و "شعائر" ، إلا أنه كان يمثل حقيقة "الدين الشعبي" و "دين الفقراء و المحرومين" ، لكن و منذ تبني "إيران الإسلامية" لمبدأ "ولاية الفقيه ـ الفقيه المطلق الصلاحيات" و ظهور "أوليجاركية الملايةoligarchy of clergy " ، إنقلب المذهب إلى نوع آخر من "دين السلطة" و انتقلنا من "وعاظ السلاطين" إلى "سلطان الواعظين" ، حسب تعبير أحد الكتّاب ، و مشكلة "الحرية السطحية" التي نظّرت لها "الحوزة" أنها "حرية مؤطرة" ، أو لنشبهها بـ"السجّان" الذي يخبر المسجونين أنهم "أحرار داخل زنزاناتهم" ، و هنا فنحن نجد أن كل فلسفة مدروسة تدور في أطار "اللاهوت" ، و أن كل مرشح للانتخابات لا بد و أن يدور في فلك الإسلام السياسي ، و بدون ذلك نجد أن كل شيء ينظر إليه على أنه "عدو" و "مؤامرة" و "تهديد للأمن القومي" و فعلا شهدت التسعينيات و في فترة بروز "الرئيس محمد خاتمي" تصاعد الصراع بين الإصلاحيين و المحافظين ـ الذين أُفضّل تسميتهم بالرجعيين ـ و عندما خشي المحافظون من التأييد المتصاعد للإصلاحيين من قبل الشباب و النسوة الإيرانيات ، قام الحرس القديم بتحجيم دور الرئيس خاتمي خصوصا في دورته الانتخابية الثانية حيث شبهه سياسيون إيرانيون معارضون بالدمية التي يلعب بها المحافظون ، و قُمعت مظاهرات الطلبة بالشدة و القسوة. فمثلا نجد أن آية الله صادق الحسيني الشيرازي و على نسق آية الله الخميني ، يروج ـ في كتابه "السياسة في الإسلام" ـ لفكرة أن السياسة الإسلامية هي سياسة "مثالية" قائمة على الأخلاق و الفضيلة و الإحسان و العدل ، و هذا ممكن في "عصر الأنبياء" ، أما في عصرنا الحالي ، و في زمن التكنولوجيا النـــووية الإيرانية و زمن العــنف "الذي يمارس تحت شعار المقاومة" ، و تبديد المال على السلاح و شراءه و تطويره ، و تفاقم الفقر و العوز و الطبقية في الوسط الشيعي خصوصا ، فإن الجلي و الواضح أن "المعمم" كسياسي ، لا يختلف عن نظيره "العلماني" ، هذا إن لم يكن أسوأ ، كونه يحاول أضفاء القدسية على نفسه. إن اللا أخلاقية و الميكافيلية التي جسدها ملاية إيران في سياستهم المليئة بالخداع و المراوغة و إلهاء الشعب بالأعداء الخارجيين ، أثبت بما لا يقبل الشك ، أن كل ما طرحه المعممون من "سياسة الإسلام الأخلاقية" هي مجرد كذبة ، و بالرغم من تطرف آية الله الخميني إلا أنه على الأقل كان صريحا في محاولته جعل السياسة الإيرانية "الإسلامية" أخلاقية أو مثالية ، و لكنه طبعا فشل في إقناع الطبقة الحاكمة "الدينية" من اتخاذ هذا الخط ، و الدليل على ذلك أن الرجل لم يكد ينتقل إلى عالم الغيب ، حتى سارع الإيرانيون إلى الصلح مع نظام "البعث" في العراق ، و دون شروط مسبقة تحفظ للإيرانيين ماء الوجه و مئات الآلاف الذين قتلوا في الحرب العراقية ـ الإيرانية 1980 ـ 1988 م ، و في الوقت الذي كان نظام البعث في العراق يربي الأجيال على أن الإيرانيين أعداء و أنهم "الفرس المجوس". الجانب الآخر القبيح من السياسة الإيرانية هو ترسيخهم للعلاقات مع النظم "الدكتاتورية الاستبدادية" كالنظام السوري "البعث العربي السوري" ، النظام الشيوعي في كوبا "دكتاتورية كاسترو" ، النظام الشيوعي في كوريا الشمالية "الطاغية كم سونغ إل" ، الدكتاتورية الصينية ، روسيا الإتحادية و نظامها الديمقراطي الهش ، مما يعكس أسوأ مثل على "البراغماتية" أو لنقل أنه النموذج الأسوأ لنظرية المنفعية الواقعية. كما أن هذا النظام الديني ، ركز على قضايا شمولية ، كـ"فلسطين" ، "الصراع العربي الإسرائيلي" ، و بشكل يناقض تماما المصالح المشروعة للشعب الإيراني ، كما أن إيران أصبحت تتبنى "المشروع القومي العربي" في حنين واضح من قبل ذوي "العمائم السود" إلى الأمجاد القريشية ، مع أن إيران ليست دولة عربية.
التشيُّع و ولايـــة الفقـــيه
تقوم "نظرية ولاية الفقيه" و التي طرحها آية الله الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" ، و قد استوحاها من آية الله أحمد النراغي "من علماء الشيعة في القرن 19 ميلادي" ، على مبدأ أساسي هو أن النبي "محمد" و خليفته ـ حسب العقيدة الشّيعية ـ الإمام علي ، لم يكتفوا بالقيام بالدعوة و التفسير و توضيح النّص المقدس ، بل أداروا نظاما إداريا كاملا ، كإدارة الحرب و تطبيق الأحكام و الحدود ، يقول آية الله الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" : وجود القانون المدوَّن لا يكفي لاصلاح المجتمع. فكلي يصبح القانون أساساً لاصلاح البشرية واسعادها، فإنه يحتاج إلى سلطة تنفيذية ولذا أقر الله تعالى الحكومة والسلطة التنفيذية والادارية إلى جانب إرسال القانون، أي أحكام الشرع. وكان الرسول الأكرم (ص) على رأس التشكيلات التنفيذية والادارية للمجتمع الاسلامي، واهتم (ص) ـ بالاضافة إلى ابلاغ الوحي وبيان وتفسير العقائد والأحكام والأنظمة الاسلامية ـ باجراء الاحكام وإقامة نظم الاسلام، إلى أن وجدت الدولة الإسلامية فلم يكتف في ذلك الزمان مثلاً ببيان قانون الجزاء فحسب، بل قام مع ذلك بتنفيذه أيضاً، فقطع الأيدي ورجم وأقام الحدود. وكان للخليفة والمرتبة. فعندما عين الرسول الأكرم (ص) خليفة بعده، لم يكن ذلك لمجرد بيان العقائد والأحكام، بل كان لأجل تطبيق الأحكام وتنفيذ القوانين أيضاً. وكانت وظيفة تنفيذ الأحكام واقامة نُظُم الإسلام هي التي جعلت تعيين الخليفة مهماً إلى درجة لولاه لما كان الرسول (ص) قد بلغ رسالته، ولما كان أكملها، إذ إن المسلمين بعد الرسول (ص) كانوا يحتاجون إلى من يطبق القوانين، ويقيم النظم الإسلامية في المجتمع لتأمين سعادة الدنيا والآخرة. و يضيف : من البديهي أن ضرورة تنفيذ الأحكام التي استلزمت تشكيل حكومة الرسول الأكرم (ص) ليست منحصرة ومحدودة بزمانه (ص)، فهي مستمرة أيضاً بعد رحلته (ص). وفقاً للآيات القرآنية الكريمة [1] فإن أحكام الإسلام ليست محدودة بزمان ومكان خاصين، بل هي باقية وواجبة التنفيذ إلى الأبد. فلم تأت لأجل زمان الرسول الأكرم (ص) لتترك بعده ولا تنفّذ أحكام القصاص، أي القانون الجزائي للإسلام. أو لا تؤخذ الضرائب المقررة، أو يتعطل الدفاع عن الأراضي والأمة الإسلاميتين. والقول بأن قوانين الإسلام قابلة للتعطيل، أو أنها منحصرة بزمان أو مكان محددين خلاف الضروريات العقائدية في الإسلام. وعليه فبما أن تنفيذ الأحكام ضرورة بعد الرسول الأكرم (ص) وإلى الأبد، فإن تشكيل الحكومة وإقامة السلطة التنفيذية الإدارية يصبح ضرورياً. فبدون تشكيل الحكومة، وبدون السلطة التنفيذية والادارية ـ والذي يجعل جميع تصرفات وانشطة افراد المجتمع خاضعاً لنظام عادل، وذلك عن طريق تنفيذ الأحكام ـ بدون ذلك تلزم الفوضى، ويتفشى الفساد الاجتماعي والعقائدي والأخلاقي. إننا هنا بداية أمام تلك الإشكالية القديمة التي يطرحها "الإسلاميون الأصوليون" دوما ، و هو الرجوع إلى "المثال" أو "النموذج" التاريخي الماضوي ـ ذو الطبيعة التخيلية ـ إذ أن هذه المادة تعتمد على الموروث الشفهي التراثي الذي يحمل في ذاته نوعا من "الكم المتراكم" ، فالتراث ككل هو مجموعة روايات "تراث" يتوقف حجمها و نوعها على مزاج الباحث و نظرته "التمحيصية" في هذه النصوص ، و مهما حاول السيد الخميني هنا إقناعنا فهو يبقى دائرا أولا في فلك "التشيع" و لربما لا تتلائم فلسفته مع المذاهب الأخرى التي تؤمن أن النبي محمد ترك الأمور فوضى من بعده ، لكن كيف للفقيه المعاصر أن يضع نفسه في مقام المعصوم ؟! و هل كان الشيعة و الائمة الإثني مخطئين حينما لم يقوموا بتطبيق هذه الأحكام طوال 1400 سنة هي عمر التاريخ الإسلامي ؟!. يقول أيضا : بعد رحلة الرسول الأكرم (ص) لم يسمح المعاندون وبنو امية لعنهم الله باستقرار الحكومة الإسلامية بولاية علي بن أبي طالب (ع). لم يسمحوا بتحقق الحكومة التي كانت مرضية عند الله تعالى وعند الرسول الأكرم (ص) وفي النتيجة بدَّلوا اساس الحكومة. وكان نهج حكومتهم في معظمه يغاير النهج الإسلامي. لقد كان نظام الحكم ونمط الادارة والسياسة عند بني أمية وبني العباس ضد الإسلام، فصار نظام الحكم مقلوباً بشكل كامل وتحول إلى سلطنة. كمثل نظام الملكية في ايران وامبراطورية الروم وفراعنة مصر. واستمر في العهود التالية بهذا النحو غير الإسلامي غالباً، إلى أن وصلنا إلى الحال التي نراها. يقول أيضا : وحيث اننا مكلفون بتأمين الظروف الاجتماعية المساعدة لتربية العناصر المؤمنة والفاضلة أيضاً. وهذه الظروف تعاكس ظروف حاكمية الطاغوت والسلطات غير الشرعية بشكل كامل. فالظروف الاجتماعية الناشئة من حاكمية الطاغوت ونظام الشرك يترتب عليها هذه المفاسد التي نراها. وهذا هو الفساد في الارض الذي يجب أن يزال من الوجود، وينال مسببوه عقابهم، وهذا هو نفس الفساد الذي أوجده فرعون في مصر بسياسته "إنه كـــان من المــفسدين" ... ففي هذه الظروف الاجتماعية والسياسية لا يستطيع الانسان المؤمن والمتقي والعادل العيش مع بقائه على ايمانه وعمله الصالح. يبقى امامه طريقان: إما الاضطرار إلى ارتكاب الأعمال الطالحة والتي فيها شرك، أو معارضة الطواغيت ومحاربتهم لازالة تلك الظروف الفاسدة فراراً من ارتكاب تلك الاعمال، ومن الخضوع لأوامر الطواغيت وقوانينهم. اننا لا نجد حيلة سوى القضاء على الاجهزه الحكومية الفاسدة والمفسدة، واسقاط الحكومات الخائنة والفاسدة والظالمة الجائرة. هذه هي الوظيفة التي يجب على المسلمين في كل بلد من البلدان الإسلامية القيام بها، والوصول بالثورة السياسية الإسلامية إلى النصر. إن الظلم حسب هذا الفهم السطحي "للدين" يعني ـ عدم تطبيق الشريعة ـ لكن الحقيقة الواقعية تنافي ذلك ، فكم من تجربة قامت بتطبيق "الشريعة" و هي من أسوأ التجارب في التاريخ ، و حسب هذا الفهم أيضا نرى تأثرا واضحا بالفلسفة الماركسية ، التي تريد رسم صورة "وردية" للجنّة الشيوعية "الحتمية" حيث لا يبقى هناك تباغض أو تحاسد ، بينما الواقع التاريخي يقول بنقيض ذلك ، ففي ظل حكم النبي و في ظل الإمام علي ، كان هناك سعي حثيث من الآخرين في جمع المال و إن كان عبر طرق غير شرعية "غير قانونية" ، و معروف أن كل الانقسام الحاصل في الإسلام هو بسبب هذه الطبيعة ، كما أن هذه الأسباب هي التي جعلت فريقا في الحوزة يؤمن بـ"ولاية الأمة" أو "الشعب" أو "الديمقراطية الإسلامية" كما يسميها البعض ، حيث أنه في غياب "المعصوم" لا بد أن يكون "الشعب" هو صاحب الأمر و النهي ، و الفقيه مهما كان تقيا أو ورعا فإنه يبقى صاحب أهواء و رغبات و مصالح ، و من الواضح أن نظرية "ولاية الفقيه" و ضعت المرجع "آية الله" في مقام وكيل المعصوم الغائب ، و هو أمر يرفضه "التشيع" في خطوطه العامة. يقول الكاتب "مرتضى معاش" في بحثه القيـّم حول "حقيقة العلاقة بين ولاية الفقيه و الحرية" و المنشور في مجلة "النبأ" الكويتية العدد 41 : لايوجد هناك دليل شرعي قاطع على ان ولاية الفقيه هي مثل ولاية المعصوم بل ان معظم الادلة الواردة في باب الولاية تتحدث عن ولايتهم دون ذكر الفقهاء، واذا كانت هناك روايات في ذكر العلماء والفقهاء فان الكثير من الفقهاء يشيرون الى انها واردة في باب التقليد والاحكام الشرعية ورجوع الجاهل الى العالم، اما ولاية الفقيه وبهذا الاطلاق فليس هناك مورد قطعي يستند عليه. يقول الشيخ النائيني: : المقصود من اثبات الولاية للفقيه هو اثبات ما كان للاشتر وقيس ومحمد بن ابي بكر ونظرائهم ولااشكال في انه كان لهم اجراء الحدود واخذ الزكاة جبرا والخراج والجزية ونحو ذلك من الامور العامة. وهذا لاينفع دليلا لان ولاية ولاة الامام كانت بالنيابة الخاصة وفي ظل حكمه و مراقبته، بينما ولاية الفقهاء بالنيابة العامة حددت ضمن اطر لايمكن فهم ذلك الاطلاق منها، لذلك يقول الشيخ الانصاري: اما الولاية على الوجه الاول اعني استقلاله في التصرف فلم يثبت بعموم. حيث حصر رحمه الله الولاية في بعض الامور الخاصة كولاية الايتام والسفهاء والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي ولاية عامة اعم من كونها خاصة بالفقيه، نعم من باب الاهم والمهم ورفع اختلال النظام يتصدى الفقيه لبعض الموارد، وهذا لايشكل دليلا اوليا واصليا على ثبوت الولاية المطلقة. بل ما ثبت من المجموع العام للايآت والروايات هو ولاية محدودة بشروط وقيود وأطر حيث يرى الامام الشيرازي: أن لا ولاية للفقيه في التشريع الخارج عن الاطار الاسلامي اذ الادلة لاتدل عليه والاصل العدم. وهذا يعني ان الولاية محصورة ضمن الاطار الاسلامي الذي من اسسه الاولية الحرية والشورى.
حول ولاية الفقــــــــيه
يستشهد السيد الخميني في كتابه "الحكومة الإسلامية" بحديث منقول عن الكافي في باب "(.. جميع ما يحتاج الناس اليه إلا وقد جاء فيه كتاب أو سنة..)" للاستدلال على "وجوب" إقامة حكومة إسلامية" !! مع أني لا أرى هنا أي علاقة "استدلالية" بين هذه الأحاديث و النظام الديني كما أنه استدل بالآية "{ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} و لكن الآية تخص "الرسل فقط و لا تسري حتى على الأنبياء ممن لا يحملون الرسالة" كما أن هذه الآية تصلح لهدم "نظرية ولاية الفقيه" لا لإثباتها ، بمعنى أن الرُّسل و المعصومون وحدهم يستطيعون الاطلاع على الحقيقة المطلقة و السيد الخميني يستمر "ربّما لا شعوريا" بالحديث عن الأمر الموجه من الله للرسول و كأنه هو نفسه فهم ما فهمناه ، و لنفترض أن الأمر كذلك ، فإين الأحاديث التي تحدد مدة انتخاب رئيس الجمهورية بأربعة سنوات ؟! كما أن "أصول الكافي" لا يقوم مقام "صحيح البخاري و مسلم" بين السنة ، فالشيعي لا يعتبر كل ما ورد في "الكافي" واجب الاتباع ، بل إنه بمجرد أن يناقض القرآن يكون قابلا للرفض. أعتقد أن المجتمع الإيراني و النظام الديني الإيراني ، لم يقوما لحد الآن بنقد حقيقي و واقعي لمنهج "الخميني" و تطبيقاته الكارثية على الشيعة و المذهب الشيعي و الإيرانيين عموما ، كما أن احتجاجه على اؤلئك الذين قالوا أنه لا يمكم تطبيق الأحكام الإسلامية إلا بظهور "المهدي المنتظر" ، بالقول: أن الصلاة واجبة فهل تتركونها إلى حين ظهور المهدي.."!! , الواضح أن لا مجال للمقارنة بين سياسة دولة و عبادات خاصة بالفرد و إيمانه الشخصي ، فرُبّ مصلّ يصلّي ليقال "ما أتقاه" ، و آخر يصلي على سبيل "الرياضة" و الحصول على قبول "المجتمع التقليدي". كما أن محاولة الطبقة "المعممة ـ الملاية" في إيران ، إخفاء حقيقة "دكتاتورية الفقيه" و جعله وكيل لله في الأرض ، باءت بالفشل ، فالولي الفقيه صامد على كرسي الحكم و حتى آخر لحظة من حياته ، صحيح أنه لا يورث الكرسي ، حيث أن الخميني منع تولي أي من عائلته هذا المنصب ، لكن الممسك بهذه السلطة ، و الذي لا ينتخب بشكل مباشر و لا يعاد انتخابه أو محاسبته ، إذ هو القرآن الناطق ؟!! يشبه الملوك المستبدّين أو الدكتاتور في الدولة الشيوعية الماركسية ، و هو "كونه وكيل المعصوم الغائب" يستبد على أصحاب الملك "الشعب" عبر هذه الوكالة ، بمعنى أن على الشيعة في إيران تخليص مذهبهم و شعبهم من "دكتاتورية" قائمة على وكالة مزورة و غير حقيقية ، و كان من الممكن الحصول على نتائج أفضل في ظل دولة يكون الولي الفقيه فيها محدود الصلاحيات و معرضا للمحاسبة إذا لم ترق سياسته للشعب ، و بالتالي انتخاب آخر مكانه ، لكن طبقة الملاية أرادت عبر هذا النظام ، فرض دكتاتورية تتذرع بالانتخاب ، مع أن المرشحين للحكومة و البرلمان يُختارون مسبقا من قبل "مجلس تشخيص مصلحة النظام" و الذي يشبه "مجلس قيادة الثورة" في ظل دكتاتورية البعث و صدام. يقول السيد الخميني : فكما كان الرسول الأكرم (ص) مسؤولاً عن تطبيق الأحكام، واقامة أنظمة الإسلام، وقد جعله الله تعالى رئيساً وحاكماً للمسلمين، وأوجب عليهم طاعته، فالفقهاء العدول أيضاً يجب أن يكونوا رؤساء وحكاماً، ومسؤولين عن تنفيذ الأحكام وإقرار النظام الاجتماعي للإسلام. و لكن نعود للسؤال: من يُقرر من هو الفقيه العادل و الموثوق ؟!! و إذا كانت "الحوزة" أو "الطبقة" المعممة هي من ستقرر ذلك ، نكون عدنا إلى أصل المشكلة ، إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يمثل هؤلاء مصالح غالبية الشعب ، خصوصا و أن السلك الدراسي "الحوزة" مليئة بالعيوب و النظم القديمة ، فهل يجوز مثلا انتقاد "الإمام الأب القائد الفقيه"؟!! أو رسم صورة كاريكاتورية عنه و نشرها ؟!! طبعا هذا غير مسموح به في "ديمقراطيتنا الإسلامية". من هنا فمهما روّج الملاية و المعممون من نظريات و مثاليات ، تبقى المسألة الدينية ، كأي موضوع بشري آخر ، قابلا للاختلاف في الشرح و التفسير بل و حتى حرية الاختيار في القبول أو الرفض "فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر" ، من هنا كان نظام ولاية الفقيه نوعا آخر من الدكتاتورية ، و لربما يكون أخطر من غيره كونه قائما على أساس "ثيوقراطي" يضفي القدسية و الشرعية الإلهية على نفسه ، لذلك نجد "علي الخامنئي ـ المرشد الروحي الذي خلف الخميني في الحكم" يؤكد في كتابه "الحكومة في الإسلام" على أن النظام "الإسلامي" الإيراني قائم على الإيمان بالله ، يقول: الإيمان بالله يؤثر على البنية السياسية للمجتمع، أي في نمط الحكومات والتشكيلات القائمة على إدارة هذا المجتمع المنبثق على أساس الاعتقاد بالله وبالاستناد إلى المدرسة الإلهية، فالبنية السياسية والتشكيلات الإدارية والجهاز التشريعي تتميز باختلافات أساسية عن نظيراتها في المجتمع غير القائم على أساس توحيد الله والإيمان به. وإلى هذا يرشدنا القرآن الكريم فيقول {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين} (القصص:5). الحكومة في الإسلام ص 3 و الواضح أن الآية التي استشهد بها لا علاقة لها بالموضوع و "القرآن حمّال أوجه" كما يقول الإمام علي ، و لا دليل شرعي على أن استبداد "فقيه"!! ما بالسلطة هو "النظام المقصود" شرعا ، خصوصا و أنه واحد من سائر الناس ، هذا الإصرار على ربط "النظام" بالله أو المشيئة الإلهية ، هو نوع من "بابوية" القرون الوسطى ، حين كان "البابا" باعتباره وكيل اللــــه و المسيـح ، يشن الحروب و يحرم الناس أو يهبهم أو يعذبهم و يقتلهم. و يقول أيضا: فالحكومة تعود لأولئك الناس الذين يمثلون الأكثرية الساحقة في المجتمع، وهي من صلاحيات الأشخاص الذين ينتخبهم الناس ويجعلونهم على رأس هرم السلطة. ولذلك وجدنا الإمام الخميني يخاطب المسؤولين الحكوميين قائلاً: "إن الناس هم الذين أخرجوكم من السجون وأجلسوكم على كراسي الحكم في الدولة". المصدر السابق ص 4. فالملاحظ أن الولي الفقيه "و الذي يُنظّر لنفسه هنا ، ينتقل من الحق الإلهي و الشرعي ، إلى "حكم الأكثرية" المزعومة ، و لا ندري هنا ما هو المقصود بالأكثرية ، فإذا كان يتكلم باسم "الشيعة" فإن الشيعة فعلا هم الأكثرية في إيران ، لكن هل كلهم يؤمنون بولاية "الفقيه" ، هذا فضلا عن الدولة "الإسلامية"؟!! ، لا أظن ذلك ، خصوصا و أنه بات معروفا حجم المعارضة المعطّلة و تيار الإصلاح المضطهد. و يضيف "الخامنئي" : هذه أول ثمرة من ثمار الإيمان بالتوحيد في المجتمع، حيث يمارس الناس دور الإشراف والرقابة بناءاً على الأسس والمعايير الإلهية. أي أنه حينما يكون الإيمان بالله أساساً للحكومة، يُنتخب الحاكمون من بين عباد الله، ولا يكون المعيار والملاك لتولي الحكم هو الثراء، والملَكة المادية والغنى، بل الإيمان والعمل الصالح والتقوى. فمَن يكن أكثر إيماناً بالله ـ تبارك وتعالى ـ وأشد تقوى وتبرز ملامح تقواه بشكل أوضح في ميدان السياسة، ينبغي له أن يكون هو البديل لسلطة المستكبرين ويتبوأ مقعد الحكم الإلهي، ويصبح خليفة الله في الأرض. المــصدر السابق ص 4 و هذه مغالطة واضحة ، فماذا يعني "الخامنئي" بقوله "الإيمان و العمل الصالح و التقوى"!! ، فإن كان المقصود هو "كثرة العبادات و التقلب على السجاد و اللطم في الحسينيات" ، فما أكثر من يفعل ذلك ، و الله وحده يعلم من هو "المخلص" و من هو "الكاذب" ، كما أنه ليس هناك طرف محدد يكون هو "الفيصل" في أن يقرر من هو "التقي" و من هو "المرائي" و من هو "الجاحد" و كما يقول المثل الشعبي الشيعي في العراق :"يلطم على الهريسة ما على الحسين"!!. الحقيقة الواضحة هي أنه لا أحد منا يستطيع أن يميز "الخبيث" من "الطيب" ، خصوصا و أن المعصوم الثاني عشر غائب حسب المذهب الشيعي الجعفري ، و الرسول متوفي ـ حسب مذهب السنة ـ فلا أحد يملك الآن حقّ "احتكار" التفسير و الفقه و النظم السياسية ، كما أن سيرة الإمام علي و قبله النبي محمد كانت بالضد من "الاستبداد" بالرغم من امتلاكهما العصمة و التأييد الإلهي ، بينما لا "الخميني" و لا "الخامنئي" يملك هذا المقام أو الحق. يقول الكاتب "مرتضى معاش" : من الادلة الاساسية التي يستدل بها على ولاية الفقيه ونفوذ حكمه وامره هو حفظ النظام ودرء الفوضى لان ترك الامة بلا قيادة سوف يقودها الى فوضى عارمة تنتهك فيها الحقوق وتضيع المصالح وتنتشر المفاسد، وهذا يعني ان الحكومة من الضرورات العقلية الواضحة. ولكن عندما يتصرف الولي بدون رضى الامة ويضيع حقوق الناس ولايراعي المصالح ويسلب الحريات ويستبد بالامر فان هذا هو درء للفاسد بالافسد ويؤدي الى فوضى اكبر وتدمير النظام الاجتماعي العام. فالعقل: يحكم بالبداهة بقبح الفوضى ووجوب اقامة النظام، ولاتستقر الدولة الا بخضوع الامة وطاعتها، وتحقق الدولة بقهر قاهر ظلم على الامة يحكم العقل بقبحه فانه خلاف سلطنة الناس على اموالهم ونفوسهم ولايحكم العقل ايضا بوجوب الخضوع والاطاعة له(17). ان النظام الاجتماعي لايستقر الا عند وجود مشاركة جماعية مسؤولة على اساس واقعي وهذه المشاركة تتحقق عبر وجود الحريات التي من اهمها حرية انتخاب الحاكم. لذلك نرى ان الانظمة الاستبدادية هي اكثر الانظمة فوضوية وفسادا حيث تسحق ابسط الحقوق الانسانية وتنمو الامراض الاخلاقية والنفسية والاجتماعية ويستهلك النظام العام في اشكال من النفاق والانانية والتفكك والتناحر. ومن هنا فليس: لاحد ان يحدد حريات الناس او يتصرف في مقدراتهم بغير اذنهم، وللافراد ان ينتخبوا الفرد الاصلح ويولوه على انفسهم بل يجب ذلك بعدما حكم العقل بان المجتمع لابد له من نظام وحكم وانهما من ضروريات حياة البشر(18). فالنظام يتحقق ويتكامل مع الحرية ويختنق وينهار مع الاستبداد وقمع الحريات.
حول ولاية الفقيه
إن التظاهر بالدين ، هو أحد أسوأ أمراض "الدولة الدينية" حيث يسعى الناس جاهدين إلى إظهار "الخشوع" و "التفقه" و "الورع" في سبيل الوصول إلى "منصب" أو "وظيفة" أو "وزارة" ، و هنا و لأن النظام السياسي القائم أقر مقاييسه "الفقهية التقوية" فهو نفسه سيحدد من هو "التقي" و من هو "الشقي"!! مع أن القرآن يقول في أوضح آياته { لا تزكوا أنفسكم بل الله يزكيكم } أو قوله { إلى الله مرجعكم فينبأكم بما كنتم تعملون } ، يقول "الخامنئي" : إننا نسعى لتكون قوانيننا إلهية، فمجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور، اللذان يمثلان معاً السلطة المقنّنة لدينا، يسعيان لتكون القوانين التي يصادقان عليها قوانين متطابقة مع الكتاب والسنّة ومع النصوص لانتخاب أشخاص يديرون البلاد عبر اختيارهم من بين الأفراد المؤمنين بالعقيدة الدينية، وهذا هو الدرس الذي يعلمنا إياه الاعتقاد بالتوحيد والإيمان بالله. المصدر السابق ص 5 فالملاحظ هنا أنه تحدث هنا عن "انتخاب أشخاص" ، لكنه عاد ليقيد الانتخاب بالقول "عبر اختيارهم من بين الأفراد المؤمنين بالعقيدة الدينية" ، إنه فعلا تلاعب بالانتخاب إلى حد أنه انتخاب بلا جدوى أو معنى ، و الشخص "المؤمن" فعلا قد يصبح "ملحدا" بمقاييس السلطة و "الولي الفقيه" ، و ما حصل مع "آية الله منتظري" و حجبه عن الولاية لمصلحة "الخامنئي" خير مثال على ما قلناه. و يضيف في ص 7 من كتابه: إن هذه الفرصة الثمينة، فرصة قيام الحكومة الإسلامية ونشوء النظام الإسلامي، وفرصة تبلور لطف الله بعباده في هذه البقعة من الأرض، علينا أن نعرف قيمتها ونقدر أهميتها، فقد كان شعبنا يُساق نحو الفساد والآثام، ويُحَث على المعاصي والذنوب، بينما يمكنه اليوم أن يتمتع بنعمة العيش مسلماً مؤمناً بالله، يمارس العمل الصالح وقد مهد للجميع سبيل المجاهدة في مقابل الشياطين والنفس الأمارة بالسوء وفي مقابل الأعداء، وفُتح أمام أبناء هذا الشعب طريق التضحية والفداء والصلاح والرشاد. إن هذا الحديث "الوعظي" ينافي الواقع و الحقيقة ، فمنذ قيام "الثورة الإسلامية" تضاعف عدد المدمنين على الكحول و المخدرات و راجت الانحرافات الجنسية "كالمثلية" و يعيش أغلبية الإيرانيين "و قد تسنى لي الاطلاع على الأوضاع هناك في زيارة قصيرة" حالة مزرية من الفقر و البطالة و تصاعد حالات الطلاق و الفساد الإداري ، بل إن الإيرانيين يتندرون على سبيل "النكتة" بالقول : إذا قال لك المسئول بس فردا ـ بعد الغد بالفارسية ـ فهو يكذب..". و الملاحظ أن "ولاية الفقيه" هي أقرب إلى أن تكون نظرية "سنية" أكثر منها "شيعية" ، بمعنى أنها تشبه "نظرية الخلافة" التي يروّج لها "بن لادن" و "القاعدة" ، و الواضح أن "الخامنئي" ـ و هو يختلف في ذلك قليلا عن السيد الخميني ـ يسعى إلى أن يجعل من نفسه هذا "الخليفة" و لذلك نراه و تياره "حزب الله" يتبنى القضايا "الإسلامية ـ القومية العربية" بل و حتى التضحية بشيعة العراق للوصول إلى هذا الهدف. إن محاولة تعميم نظرية "شيعية" في عالم "سني" معروف بطائفيته ، هو أشبه بزراعة أي نبات في "القطب الشمالي" ، بل إن "نظرية ولاية الفقيه" ليس لها مؤيدون بين "الشيعة" فضلا عن غيرهم ، مع ذلك نجد "الخامنئي" يقول: فنظام ولاية الفقيه هو الطابع المميز لدستور الجمهورية الإسلامية والصفة الغالبة على الشكل العام لمجتمعنا، أي أن "ولاية الفقيه" تُلحظ بوضوح في كل شأن من الشؤون المهمة والأساسية لهذا المجتمع، وآثارها مشهودة في أعطاف المجتمع وحناياه.." المصدر ص 8 . و الواضح هنا أن هذا الأمر لا يعدو كونه مجرد زعم لا أساس له ، و مشكلة إيران مع "ولاية الفقيه" هو أن أي دولة شهدت نهوض "ثورة" و إحلال نظام مكان آخر ، لا بد و أن تتخطى زمن الثورة و قوانينها إلى "المجتمع المدني" القائم على المواطنة ، لكن الواضح لحد الآن أن إيران لا زالت في حالة طواريء ، و من خلال متابعة أطروحات "المرشد" نجد أنه هو نفسه غير متأكد من شرعية "ولايته الفقهية" حتى بالأدلة الشرعية فهو يقول: وأعتقد أننا لسنا بحاجة إلى دليل نقلي (روائي) للبرهنة على "ولاية الفقيه"، على الرغم من أن الأدلة النقلية الروائية متوفرة في القرآن والحديث، وكلها تدلل على حكومة الفقهاء والعلماء الربانيين. بيد أننا لو لم يكن لدينا أي دليل نقلي على حكومة الخبراء بالدين في المجتمع الإسلامي، فإن العقل والأدلة المنطقية تشير إلى حقيقة أنه من أجل تطبيق الأحكام الإلهية، وتنفيذ القوانين الدينية في المجتمع ينبغي أن يتصدى لذلك أشخاص يمتلكون الأهلية، والكفاءة والصلاحية اللازمة، في هذا المضمار ممن لديهم إطلاع ومعرفة بالشؤون الدينية. المصدر ص 8. و من هنا نرى أن الاستدلال يبقى "ذاتيا" ، بمعنى أن "المرشد" يشرع شرعيته بنفسه ، بل و إن الرجل ليؤكد شرعية دكتاتوريته بالقول: إن إشراف الولي الفقيه على جميع المراكز الأساسية والمرافق الحساسة في المجتمع الإسلامي، أمر ضروري، وقد استجاب دستورنا لهذه الضرورة ولبّاها ... فإن الولي الفقيه يمارس بالفعل إشرافه ـ كما ورد في دستور الجمهورية الإسلامية ـ على جميع المراكز الحيوية والحساسة في هذا المجتمع، وله حضور فاعل ومؤثر فيها، وهذا أمر ليس بحاجة إلى دليل وبرهان، بل العجيب هو ما قد يطرحه بعض الأشخاص مما يعدّونه دليلاً على رفض ولاية الفقيه ودحضها. المصدر ص 8 و 9 . و هو فعلا سبب وجيه لرفض "دكتاتورية المُعمّم" و ليس هناك من دليل شرعي أو عقلي يقبل بحكم شمولي من أي نوع كان ، من هذا المنطلق كان لزاما على الإيرانيين ، إما تطوير النظرية ـ بحيث يصبح الفقيه عرضة للمحاسبة ـ أو إلغاء هذا النظام بنظام آخر بسيط يقوم على حكم الشعب و رقابته على الحكومة. و المصيبة أن الخامنئي وضع نفسه موضع "الأنبياء و الائمة المعصومين" فهو يقول: أما المجتمع الملتزم بالقيم الإلهية، والقائم على اعتناق عقيدة التوحيد، والنبوة والشريعة الإلهية، فإنه لا يرى بداً من القبول بأن يكون على رأسه شخص عالم بالشريعة الإسلامية والتعاليم الإلهية، وتتجسد فيه الأخلاق الفاضلة، وتتجلى فيه الخصال الحميدة، ولا يقترف الذنوب ولا يرتكب المعاصي، ولا يقع عمداً في الخطأ والاشتباه، غير جائر ولا ظالم ولا طامع في شيء من الحطام لنفسه، بل يتحرق للآخرين ويفضل إقرار القيم الإلهية على القضايا الشخصية والأمور الذاتية والمصالح الفئوية. المصدر ص 9 . إنه مجرد حديث "مثالي" خيالي ، ليس له أسس أخلاقية أو دينية أو إنسانية ، بالحقيقة فإن "ولاية الفقيه" هو انقلاب على التشيع و مذهب أهل البيت ، لأنه انتقل من كونه "عقيدة شعب" إلى عقيدة أخرى يستحوذ بها "طبقة من الملالي" على قرار الشعب و ثرواته ، و رغم محاولات "المرشد علي الخامنئي" في كتابه الذي نحن بصدده ، في إقناع القاريء الإيراني خصوصا و المسلم الشيعي و السني بشكل أعم ، بأن النظام الإيراني "جمهوري مستمد من الشعب" ، إلا أنه وضح بما لا يقبل الشك أن هذا النظام هو "دكتاتورية" مائة بالمائة ، حيث يقول الخامنئي تحت عنوان "تنفيذ رأي الشعب": ولهذا فإن هذا الأمر قد تمت معالجته في مجتمعنا وفي نظامنا الجمهوري الإسلامي، إذ أن على رأس السلطة التنفيذية في البلاد يقف رئيس الجمهورية الإسلامية، وقد تم انتخابه من خلال آراء الشعب وعيّن في منصبه عبر تنفيذ الإمام لرأي الشعب وإمضائه، أي أنه ـ في الحقيقة ـ معيّن، وبالتالي، من قبل الإمام. فالشعب ينتخب شخصاً من بين الأشخاص اللائقين لرئاسة الجمهورية، ثم يقوم الإمام بتنفيذ رأي الشعب بتعيينه رئيساً، أي أنه إن لم يصادق الإمام على انتخابه لن يصبح رئيساً للجمهوريـة. فالإمـام ـ وهو الفقيه العادل وولي أمر المسلمين ـ يمسك زمام الأمور بشأن تعيين أعلى مسؤول تنفيذي في البلد. و يضيف: وهكذا الأمر على صعيد السلطة التشريعية "المقنّنة"، حيث يعيّن الإمام ستة من الفقهاء في مجلس صيانة الدستور، وهذا يعني حضور الإمام ـ معنوياً ـ في مجال التشريع القانوني في البلاد، فبدون تسجيل الإمام حضوره في هذا المضمار لا تكون عملية التقنين قد تمت تحت نظر الولي الفقيه وإشراف. وهكذا الأمر في مجال السلطة القضائية، حيث يسجل الإمام حضوره "المعنوي" من خلال تعيينه رئيس ديوان القضاء الأعلى، والمدعي العام في البلاد، وهذان المسؤولان تنتهي إليهما جميع الشؤون القضائية في البلاد، وهما ـ في الحقيقة ـ نائبا الإمام وممثلاه في هذا المجال، ومن خلالهما يتم تأمين إشراف الإمام على هذا الصعيد. إذاً، فالولي الفقيه له حضور فعال ودور أساسي في المجتمع الإسلامي، سواء على صعيد السلطة التنفيذية أو السلطتين المقنّنة والقضائية. وطبعاً فإن صلاحيات الولي الفقيه لا تنحصر في هذا الإطار، وتتجاوز ذلك بكثير؛ ففي الجيش والقضايا العسكرية، وفي إعلان الحرب وبدئها، وفي ختامها وإعلان السلم، وفي تعبئة القوى وحشدها، وفي كل الشؤون التي تعدّ من القضايا الأساسية والمهمة في المجتمع الإسلامي، نرى للولي الفقيه سلطة ودوراً وحضوراً فاعلاً طبقاً للدستور، ووفقاً للمقاييس العقلية، التي يجب أن تجري الأمور بموجبها في المجتمع الذي يتوجب قيام الحكومة الإسلامية فيه. المصدر ص 9 و 10 . من هنا تتوضح الحقيقة و على لسان أعلى سلطة في النظام الديني في إيران و أنه لا يستند إلى أي قاعدة شعبية ، اللهم إلا في قطاعات ضيّقة جدا ، إنها دكتاتورية مغلفة "بالوعظ" و "الخشوع الكاذب" ، بالتالي فإن تحرير المذهب الشيعي من خاطفيه يجب أن يكون هدف الحوزات الشيعية نفسها ، و على الإصلاحيين التحرك قبل تحول الأمر إلى كارثة لا خروج منها.
حول ولاية الفقيه
من الملاحظ أن كل المنظرين الدينيين الإيرانيين ، من "السيد الخميني" و "الخامنئي" و "محمد علي التسخيري" و سائر الطبقة السياسية المعممة ، يطرحون نظام ولاية الفقيه على أنه نظام يعكس رغبة الشعب أكثر من الديمقراطية الغربية ، و من الواضح من نقدهم الموجّه إلى الديمقراطية الغربية "الرأسمالية" أنه نقد سطحي لا أكثر ، فمجرد نظرة إلى الكتاب الكبير للعلامة آية الله مــحمد باقر الصدر "إقتصادنا" ـ في اعتقادي أنه ما من شخصية شيعية تضاهي قوة و إبداع هذا الرجل ـ فإنك ستجد النظام الإقتصادي الإسلامي "أشكُّ حقيقة في وجود نظام اقتصادي خاص بالإسلام" أقرب إلى الرأسمالية و حرية التجارة ، و أعتقد أن هذه نقطة تحسب لصالح الإسلام كدين قابل للتطور و الاندماج في العالم الديمقراطي. و هنا أود أن أطرح جملة نقاط مفيدة حول موضوع "ولاية الفقيه" طرحها الكاتب مرتضى معاش و هي: ويرى البعض ان الولي ينتخب ولكن ليس عن طريق الامة بل عن طريق اهل الحل والعقد، لان الامة غير قادرة على معرفة المؤهل وتشخيص اعلميته وعدالته لذلك يقتصر الامر على العارفين وهم اهل الحل والعقد مع كون السيرة التاريخية على ذلك. ولكن هناك ملاحظات في هذا الرأي: 1ـ ان الحرية حق عام لايقتصر على اهل الحل والعقد ولو قصر على ذلك لضيعت حقوق المسلمين كما حصل ذلك في السقيفة. لان الحرية من اوليات الحقوق الانسانية. 2ـ ان الاخذ برأي اهل الحل والعقد وترك رأي الامة خلاف اطلاق ايات الشورى، وعمل برأي الاقلية وتضييع رأي الاكثرية وهذا لايسمى شورى. يقول امير المؤمنين ) والزموا السواد الاعظم فان يد الله على الجماعة واياكم والفرقة فان الشاذ من الناس للشيطان كما ان الشاذ من الغنم للذئب.(نهج البلاغة2/11) 3ـ اذا كانت تصرفات الولي تحتاج الى اجازة من الامة لنفوذ عمله وسلطته فان الاجازة لاتتحقق بمجرد انتخاب اهل الحل والعقد. 4ـ ان السيرة السابقة كانت في انتخاب اهل الحل والعقد للولي فان ذلك كان لبعد المسافات جغرافيا وصعوبة الاتصال، ولكن اليوم المسافات اصبحت شبه ملغية لوجود القدرة على الاتصال واعطاء الامة رأيها في الولي الذي تنتخبه. 5ـ ترى القوانين الدستورية ان انتخاب اهل الحل والعقد هو نوع من الدكتاتورية المبطنة التي تهدف الى مصادرة رأي الامة لصالح السلطة عبر تعيين مجموعة من الاشخاص تسميهم اهل الحل والعقد لاضفاء الشرعية على نفسها، كما تفعل ذلك بعض الانظمة التي ينتخب فيها الرئيس من خلال البرلمان الذي يسيطرون عليه سيطرة مطلقة. نعم يمكن ان يقوم اهل الحل والعقد بترشيح الفقيه او الفقهاء للامة كي تنتخبهم انتخابا حرا كما يحصل ذلك في النظام الديمقراطي عندما ترشح الاحزاب اشخاصا الى الشعب حتى ينتخبوهم. نهاية الاقتباس. نعود إلى النقطة الأولى التي بدأنا بها الموضوع ، فكل النقد الموجّه إلى "الديمقراطية الغربية" يبقى استعارة من معممي و ملتحي "الثورة" في قراءاتهم للكتب "الماركسية" و "الشيوعية" ، بمعنى أنك عندما تقرأ هذا النقد تظن نفسك لأول وهلة تقرأ كتابا للبلاشفة "الشيوعيين" ، يقول "الخامنئي" في كتابه "الحكومة في الإسلام": ولهذا فإن هذا الأمر قد تمت معالجته في مجتمعنا وفي نظامنا الجمهوري الإسلامي، إذ أن على رأس السلطة التنفيذية في البلاد يقف رئيس الجمهورية الإسلامية، وقد تم انتخابه من خلال آراء الشعب وعيّن في منصبه عبر تنفيذ الإمام لرأي الشعب وإمضائه، أي أنه ـ في الحقيقة ـ معيّن، وبالتالي، من قبل الإمام. فالشعب ينتخب شخصاً من بين الأشخاص اللائقين لرئاسة الجمهورية، ثم يقوم الإمام بتنفيذ رأي الشعب بتعيينه رئيساً، أي أنه إن لم يصادق الإمام على انتخابه لن يصبح رئيساً للجمهوريـة. فالإمـام ـ وهو الفقيه العادل وولي أمر المسلمين ـ يمسك زمام الأمور بشأن تعيين أعلى مسؤول تنفيذي في البلد. وهكذا الأمر على صعيد السلطة التشريعية "المقنّنة"، حيث يعيّن الإمام ستة من الفقهاء في مجلس صيانة الدستور، وهذا يعني حضور الإمام ـ معنوياً ـ في مجال التشريع القانوني في البلاد، فبدون تسجيل الإمام حضوره في هذا المضمار لا تكون عملية التقنين قد تمت تحت نظر الولي الفقيه وإشراف. وهكذا الأمر في مجال السلطة القضائية، حيث يسجل الإمام حضوره "المعنوي" من خلال تعيينه رئيس ديوان القضاء الأعلى، والمدعي العام في البلاد، وهذان المسؤولان تنتهي إليهما جميع الشؤون القضائية في البلاد، وهما ـ في الحقيقة ـ نائبا الإمام وممثلاه في هذا المجال، ومن خلالهما يتم تأمين إشراف الإمام على هذا الصعيد. المصدر ص 9 و 10 . فأين هو الانتخاب الحر إذا يا مرشد الثورة و عرّابها ؟! فقبل قليل أخبرنا الخامنئي بنفسه أن رئيس الجمهورية و كل الأركان الأخرى في النظام الإيراني ، يعيّنهم "الولي الفقيه باسم الشعب"!! بمعنى أن الشّعب بملايينه لا يعدوا أن يكون اسما و شعارا ترفعه الحكومة الإيرانية في المناسبات الرسمية ، و أن "العمامة" هي وحدها التي تتحكم في القرار ، و لا تنسى عزيزي القاريء أن الفقيه الشيعي ـ الذي يختلف عن الفقيه السني الذي لا يعدو كونه موظفا حكوميا ـ يمتلك قوة اقتصادية كبيرة عبر استلامه ملايين الدولارات من أموال الخمس و التبرعات و الصدقات ، بمعنى أنه من الممكن أن يمثل طبقة رأسمالية بعينها ، حاله حال السياسي الغربي الذي انتقده "الملاية" و "الملتحون" ، و الأكيد أن "الفقيه" سيختلف تعامله مع فقير يبلغ خمسه السنوي 100 دولار عن ذلك الذي يدفع 1000000 دولار مثلا. إن الإعلام "الغربي" المخادع الذي حدثنا عنه "المرشد الأعلى" ، ليس إلا عكسا للصورة الأخرى ، فالإعلام الإيراني الذي يديره "المحجّبون و المحجبات" و "الملاية و الملايات" لا يعكس إلا رؤية "فقيه واحد" ، بمعنى أنه حتى "الفقهاء" المعارضون "للولي الفقيه" لا يحق لهم الإدلاء بآرائهم في هذا الإعلام الموجّه و المسيّس ، يقول "الخامنئي": وبالجملة، فإنه في المجتمع الإسلامي تتجسد إرادة الشعب وينفّذ رأيه على جميع الصعد، سواء على صعيد السلطة المقنّنة أو التنفيذية، أو في جميع شؤون السلطة والحكم وولاية الأمر، تتجسد أكثر بكثير مما يجري في ظل الحكومات الديمقراطية. مضافاً إلى ذلك، فإننا نرى أن الحاكمين والمسؤولين في المجتمع الإسلامي يتمتعون بإيمان الشعب وتأييده وحبه. فالشعب يكنّ لهم الود والحب والإيمان، ولهذا فإنه يراهم منه وإليه، ويؤمن بأنهم خدم له ومنفّذون لإرادته وممثلون لطموحاته وآماله. المصدر ص 15 . طبعا سيبدو في إعلام يسيطر عليه "أصحاب النظرة الضيقة" أن الشعب كله يؤمن بهذه النظرية ، و بدليل أن كل "الصحف و المجلات ـ حيث أن التلفزيون محتكر من قبل المحافظين و المتطرفين" الإصلاحية ، أُغلقت بأمر المحافظين ، إلا لأنهم نشروا أفكارا إسلامية أكثر "تحررا". إن ولاية الفقيه في داخلها لا تحمل إلا فلسفة هشّة و خداعا ، لا يحتوي حتى البريق الكاذب ، بمعنى أن هذه النظرية "الفقهية"!! لا تحوي إلا دكتاتورية مغلفة بغلاف "الإيمان الديني". يقول "الخامنئي": على هذا الأساس، فإن القول بأن الحكومة الديمقراطية والشعبية لا يمكن أن تكون ـ بالضرورة ـ حكومة دينية، أو أن حكومة الدين لا يمكنها أن تكون حكومة شعبية، مغالطة وسفسطة ليس إلا. إذ أن بإمكان الحكومة الإسلامية ـ في الوقت نفسه الذي هي فيه حكومة إلهية ـ أن تكون حكومة شعبية أيضاً. وكنموذج على ذلك، ما كان في عهد صدر الإسلام، إبّان زمن النبي (ص) والخلفاء الذين تبعوه أول الأمر، والنموذج الثاني هو حكومة الجمهورية الإسلامية، وكلتاهما حكومة شعبية، وقائمة على عواطف الشعب ووفقاً لآرائه، وتأسست عبر انتخاب الشعب وتقودها العناصر الشعبية. المصدر ص 15 . الواضح هنا بأن مقارنته بين "حكمة النبي و صدر الإسلام" و نمط الدولة الحديث ، مقارنة غير منطقية في زمن ظهر فيه "الإعلام" و "الرأي العام" و "الانتخاب السري المباشر" ، و عهد كان تفسير مختلف لآية أو حديث يتسبب في حروب ـ راجع كتاب معالم المدرستين للمحقق مرتضى العسكري فهو حافل بهذه الأمثلة ـ كما أن "الخامنئي" نفسه يتحدث عن "عواطف الشعب و آرائه" مع أنه لا يوجد في إيران إعلام حرّ ، باستثناء المروّج للسلطة. فنحن و في بحثنا هذا لسنا ضد "المشروع الديمقراطي الإسلامي" و لكننا ضد احتكار وجهة نظر واحدة لكل ما أنتجه الإسلام من فكر و نظريات و مذاهب و فلسفات ، فليست هناك آية واحدة أو حديث أو كلمات إمام معصوم تنص على أن "الولي الفقيه يمتلك كامل الصلاحيات" حتى في إخراس الاجتهادات ، و لا أستبعد أن تقوم السلطات الإيرانية مستقبلا ـ و على منوال العباسيين قبل 800 عام حينما سدّوا باب الاجتهاد في المذهب السني ـ بإصدار فتوى تحرم "الاجتهاد" الذي هو لُبّ المذهب الشيعي و أساسه الذي سمح له بالنجاح و الاستمرارية. و يستند الخامنئي في كتابه على المادة الدستورية التالية: تقول المادة الخامسة من الدستور: "زمن غيبة الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير...". وتقول المادة التاسعة بعد المائة: الشروط اللازم توفرها في القائد، وصفاته هي: 1ـ الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه. 2ـ العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة الإسلامية. 3ـ الرؤية السياسية الصحيحة، والكفاءة الاجتماعية والإدارية، والتدبير والشجاعة، والقدرة الكافية للقيادة . من الطبيعي أن تكون الحالة الإنتخابية "الإيرانية" هشّة و ضعيفة في ظل دستور يقوم على الضبابية و التناقض ، فليس هناك دستور في العالم يقول : يجب أن يكون الحاكم ظالما .." حتى طغاة كهـــتلر و ستالين و الطاغية صدّام ، يدعون و يزعمون أنهم عادلون و مُستقيمون ، إذن فمن الواضح أن الدّستور الإيراني ضبابي لكونه من فئة بعينها و لا يمثل كل الشعب أو حتى الأغلبية.
ملاية ماركسيــّون
من المؤسف حقا أن نجد الشّرق الإسلامي ، خصوصا ، تتأثر بالثقافة الماركسية اللينينية الشيوعية ، هذه الفلسفة المليئة بالحقد و الدكتاتورية و احتقار البشر و معاملتهم كقطعان من الحيوانات ، لذلك لن يكون غريبا أن يقوم "الولي الفقيه" و من معه من جيوش الملاية المتعصبين ، بتحريف الحقائق و اللعب بعواطف الناس و عقولهم ، و منهج "الخميني" و "الخامنئي" واضح في هذا الشأن ، و ليس عجيبا أن نجد أنه منذ أيام "الشيرازي" و ابنه محمد رضا ـ الذي اتهمه البريطانيون بأنه يروج للبلشفية و الماركسية ـ و فتوى الشيرازي التي اعتبرت "البلاشفة" الشيوعيين الذين لا يؤمنون بالله ، أصدقاء للأمة الإسلامية خلال حربهم مع البريطانيين بداية القرن العشرين. و في المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية من صراع بين "الملاية" و "حزب تودة" و "الحركة الشيوعية" في إيران و العراق ، تأثر المعمّمون في الحوزة بالمنطق الشيوعي في الإيمان بصراع "الاشتراكية" مع "الرأسمالية" و تسخير الشعب و تحريكه ككتلة من "اللحم" و استغلال عواطفه. فها هو الخامنئي حينما ينتقد "الغرب" يبدو لك و كأنه تلميذ من تلاميذ "ستالين" أو "خروشوف" : لو نظرنا إلى قضية مدى انطباق تصرفات الأنظمة الديمقراطية مع رأي الشعوب وإرادتها من زاوية أخرى، هي الزاوية العملية والجانب التطبيقي، لوجدنا عدم انسجام ما تمارسه تلك الحكومات والأنظمة على الصعيد العالمي مع رغبات شعوبها وآرائها. وكدليل على ذلك، ما تمارسه الدول الغربية الرأسمالية وحتى الشرقية الماركسية من الأعمال ضد الدول الأخرى مما لا ترضى به شعوب تلك الدول، وهي ليست أعمالاً مرحلية أو مؤقتة، بل هي سلسلة أعمال تعكس النهج الدائم والسلوك المستمر لهذه الأنظمة. فلو سئل الشعب الأميركي هل هو راضٍ عما تقوم به حكومته من التدخل في شؤون دول الشرق الأوسط فماذا سيكون الجواب؟ هل يرضى ملايين النساء والرجال الأميركان بأن تنهب حكومته ثروات بلدنا المعطاء الممنوحة له من الله، وهل يرغب هذا الشعب بأن تستولي حكومته ـ ظلماً ـ على الطاقات البشرية والاقتصادية، في البلدان الأخرى عبر قيامها بإرسال الأساطيل العسكرية العظمى في المحيط الهادي والمحيط الهندي والمحيط الأطلسي، من أجل تهديد دول تلك المناطق؟! ولو سئل الشعب الأميركي هل هو مستعد لإنفاق مليارات الدولارات على أعمال وكالة المخابرات المركزية (C.I.A) من أجل الإطاحة بالحكومات الوطنية في الدول الأخرى، كـ نيكاراغوا والسلفادور، وغيرهما باستخدام الأموال والأسلحة الأميركية، فبماذا سيجيب؟ وإذا سئل الرأي العام الأميركي عن مدى موافقته على تسخير الأموال والأسلحة والخطط الأميركية وتوظيف الخبراء العسكريين والسياسيين الأميركيين في خدمة الكيان الصهيوني الغاصب، كي يهدد الشعب السوري والفلسطيني واللبناني ويعتدي عليه فهل سيرضى بذلك؟ لو أجري استطلاع للرأي العام في أميركا حول مدى قبوله بهذه الجرائم والانتهاكات فماذا سيكون جوابه؟ لا شك في أن الجواب واضح، فالشعب الأميركي أو أغلبيته الساحقة ستعترض على كل ذلك بشكل كامل، وهذا ما حصل في حرب فيتنام، إذ أدت ضغوط الرأي العام إلى اضطرار الحكومة الأميركية لسحب 500 ألف جندي أميركي من فيتنام، وترك النظام الفيتنامي العميل وجهاً لوجه مع الشعب الفيتنامي المناضل ضده..." المصدر ص 17. هل رأيت أخي القاريء ؟! هذه اللغة و المصطلحات "ماركسية" مائة بالمائة ، فرغم الانتقاد الخجول للأنظمة "الماركسية" إلى أن "الله" لديه علاقات مميزة مع أنظمة "كاسترو" و "الصين الشيوعية" و "تشافيز الملحد ـ رئيس فنزويلا" و "كيم سونغ إل ـ الذي يرفض أن يعبد شعب كوريا الشمالية إلها غيره" ، هل الشعب الفيتنامي الذي يعيش تحت وطأة الحكم و النظام الشيوعي منذ السبعينات و لحد الآن ، هل هو محكوم فعلا "بنظام وطني" ؟! و هل هو حقا شعب حرّ ؟! ، الحقيقة أنه لا فرق بين أن تكون دكتاتورا باسم "الله" أو "البروليتاريا" ، و الأكيد أن الشعب المحكوم بنظام لا يُتقن شيئا غير قلب الحقائق ، هو شعب غير حُرّ ، و لماذا يكون "الغرب الديمقراطي القائم على الانتخاب" نظاما غير حُر "حسب الخامنئي و ملاليه" ؟! بينما الأنظمة "الشيوعية الماركسية و دكتاتوريات الشعب الكافرة بالله" هي : أنظمة وطنية حرة تنبع من الشعب" حسب هؤلاء الملالي أنفسهم ، و طبعا أُستُقبل "الطاغية كاسترو" استقبال الأبطال ـ و إن كان لا يؤمن بالله ـ فقط لأنه يعادي الغرب و الديمقراطية الأمريكية. الحقيقة أن رجال الدين "الشيعة و السنة على حد سواء" ينطلقون في نقدهم "للغرب" من منطلق "الكراهية الدّينية" دون النقد الواقعي الموضوعي و العلمي ، فمثلا عندما ينتقد هؤلاء الغرب ، يبحثون عن أي مشكلة موجودة في الغرب ، متناسين مشاكلهم و متناسين أيضا أن "الطبيعة الإنسانية" هي نفسها مشكلة ، كون الإنسان شيئا محدودا و ناقصا ، أي أن لا حضارة في التاريخ ـ بما فيهم الأنبياء ـ استطاعوا حلّ كل المشاكل ، فالنظام الديمقراطي الغربي له ـ حاله حال كُل تجربة إنسانية ـ حسناته و فضائله و سيئاته و عيوبه ، من هنا كان ينبغي على المتفلسفين "لا نقصد بكلمة متفلسف التحقير من فلسفتهم بل بمعنى دارسي الفلسفة من رجال الدين" أن ينظروا إلى إيجابيات الفلسفة الديمقراطية و تطابقها مع روح الأديان ، فهم ينتقدون "الحرية المفرطة في الغرب" مع أن هؤلاء المعمّمين لا يملكون "قطعا" الحرية التي يتغنون بها ، فقبل أن ينتقدوا "سيئات الحرية و الديمقراطية" عليهم أن يمتلكوا هذه التجربة ، و هو يُشبه حديث واعظ "لشعب جائع" عن سيئات "التخمة و كثرة الأكل" أو الحديث عن "الاغترار بالمال و الجاه" لشعب فقير. من هنا فإن قلّة قليلة حاولت و تحاول هضم و استيعاب "المنتج الغربي للحضارة" كما يفعل السيد "هـاني فـــحــص" الذي قد نختلف مع بعض آرائه ، لكنه فعلا عقل تنويري كبير وسط بحر من المتخبطين و المتخلفين ، فمشاكل الغرب هي "مشاكل مرحلية" عرضية ، ناتجة عن المرحلة التطورية المتقدمة التي بلغوها ، كما أن التيار الإصلاحي "محمد خاتمي" و من يؤيده ، قد يكونون "الأمل الأخير" في إنقاذ التشيع من هذا التطرف الجارف ، و لكن يبقى الإصلاح خجولا لحد الآن ، بمعنى أن الإصلاح ما لم يستخدم لغة واضحة و يواجه تيّار السلطة بكل قوة ، و القوة التي نعنيها هي الصراحة و النقد المباشر ، بدون ذلك سيبقى التشيّع في خطر و إيران على حافة الهاوية ، حيث أن النظام الإيراني يلهي الشعب بما أسماه "الخميني" بـ"الشيطان الأكبر ـ الولايات المتحدة الأمريكية" بينما هم يغدقون مليارات الدولارات على مشروعهم النووي ، الذي يبنيه الروس ، وسط مخاوف من حدوث كارثة إنسانية إذا حصل أي خطأ تقني أو حرب قد تدمر المفاعلات النووية ، و المعروف عن الروس أنهم أصحاب الكارثة في "شيرنوبل". إن الطبقة "الدينية" في إيران تستغل الدين و حسّ الاضطهاد المغروس في النفس الشيعية منذ مئات السنين ، في سبيل الاستمرار في السلطة و الحكم ، و هو تماما ما فعله "الحزب الشيوعي الرّوسي" الذي استغل الطبقة العاملة "المسحوقة" للاستحواذ على السلطة و الحكم ، على إيران الإسلامية ، لو أرادت فعلا الحفاظ على مصالح الشعب الإيراني و إبقاء التشيع خالصا للشعب ، تغيير الطبقة السياسية الحالية أو بعبارة أُخرى ، إنهاء المرحلة الثورية التي تلغي تطبيق القانون "لا يُهم إن كان قانونا وضعيا أو دينيا" بحجة الحفاظ على "خط الثورة". و يبقى السؤال هو: متى تنتهي حقبة "الملاية الماركسيين"؟!.
خط حزب الله و "عقدة الشعور بالنقص"
الحقيقة ، أن ظاهرة ما يسمى بـ"حــزب الله" أو "خطّ الإمام" ـ أي الخميني ـ يمثل الخط الأكثر "تطرفا" في الإسلام الشيعي ، و هذا الخط يرفض تقبل الرأي الآخر ـ حتى داخل المذهب الشيعي ـ و هم يرفضون الخط الشيعي في جانبه السياسي "الشبه علماني" ، الممتد من غيبة الإمام الثاني عشر "محمد بن الحسن" المهدي و الذي اختفى منذ القرن الثالث الهجري ، بمعنى أنهم نقلوا التشيع نحو خطوة متطرفة ، من اعتزال الفقيه للسياسة إلى حكم الفقيه و استبداده بكل شيء. يرى الباحث "إيلي كارمن" في بحثه المعنون ‘ " FIGHT ON ALL FRONTS’: Hizballah, the War on Terror, and the War in Iraq و المنشور عام 2003 م ، بأن حزب الله لم يختلف في طبيعته العدوانية منذ تأسيسه خلال الثمانينات "قام حزب الله بعدة عمليات إنتحارية ضد القوات الأمريكية و الفرنسية في لبنان 1983 و 1984 م " و هو الأمر الذي نتج عنه اعتباره "أحد أخطر التنظيمات الإرهابية" من قبل الولايات المتحدة و وكالة المخابرات المركزية الـسي أي أي. إن التطرف خطأ ، سواء في الموقف الأول "اعتزال السياسة" أو نقيضه "التحكم في السياسة" ، إن خط حزب الله و الذي قام في إيران ، و اشتهر إعلاميا في لبنان ، هو حالة خاصة أستطيع بأنها أقرب إلى "ردّ الفعل" ، فعندما رأى رجال الحوزة انجرار مجموعة كبيرة من المعممين نحو تملق السلطات و الحكومة "السنة عموما معروفون بذلك بينما هذه الظاهرة أضيق بين الشيعة" كان ردّ الفعل هو "ولاية الفقيه" ، و عندما اتهم السنة الشيعة بأن الأخيرين هم "عملاء إسرائيل و الصهيونية" ، خصوصا و أن السنة اختلقوا شخصية "عبد الله بن سبأ" ـ و هي شخصية أُسطورية اختلقها سيف بن عمر التميمي و نسب إليها كل أحداث صدر الإسلام و أيضا تأسيس المذهب الشيعي : وعاظ السلاطين للدكتور علي الوردي و عبد الله بن سبأ و أساطير أخرى للمحقق مرتضى العسكري ـ و لأن الشيعة متهمون من قبل أعدائهم التاريخيين أيضا و منذ مئات السنين بأنهم استدعوا "المغول" لهدم حكم بني العباس ، كل هذا خلق "عقدة الشعور بالنقص" لدى عموم الشيعة ، و بالذات "حزب الله" الذي يظن أنه و بفعل تبنيه لبرنامج "المقاومة" و عداء اليهود و "الصهيونية"!! و مقاومة "الاستعمار الغربي" كما يصطلحون عليه ، سيطوي هذه الصفحة. بل بلغت هذه "العقدة" حدا في أن تيار "حزب الله" تنازل عن كل برنامجه العقائدي و الذي كان قد تمخض عن صراع "إيران الإسلامية" مع "عراق البعث العربي و صدام" ، بحيث أصبح هذا الحزب أشبه بالخلطة العجيبة من "التشيع الإنساني" إلى "الماركسية الأممية" و "حزب البعث العربي" و "الوطنية" ، من هنا فإن هزيمة "الأيدولوجية القومية العربية" على يد اللبراليين الإنسانيين في الشرق الأوسط و بدعم من الغرب الديمقراطي ، سيكون الصفعة الأهم التي سيستفيق على أثرها من عقدة "النقص" التي يعيشها هذا الخط الثيوقراطي. إن الأصولية الشيعية ، و رغم كل عيوبها ، إلا أنها أفضل من "الأصولية السنية" ، فالأصولية السنية "القاعدة و الإخوان المسلمون و الحركة الوهابية" مجمعون على "تكفير كل من يؤمن بالديمقراطية أو يمارسها" ، بينما الأصولية "الشيعية" تتعامل مع "قواعد الممارسة الديمقراطية" بشكل أكثر انفتاحا و هم ينتقدون جوانب معينة من الممارسات الاجتماعية في ظل الديمقراطية "كالزواج المثلي" مثلا. من هنا فإن من الممكن ـ بمعنى أنه ليس مستحيلا ـ إيجاد حركة إصلاح في الوسط الشيعي ، تدفع باتجاه الممارسة الديمقراطية ، و حتى إيران الإسلامية تزعم أنها نظام "انتخابي" رغم تحفظنا على قواعد هذا الانتخاب ، بينما أنظمة كـ"المملكة السعودية" و "إمارة طالبان في أفغانستان سابقا" ترفض الانتخاب جملة و تفصيلا. لكننا نعود إلى القول بأن "حزب الله" أو "خط الإمام" يبقى ـ ككل حركة أيدولوجية ـ منغلقا و عدائيا في الوقت نفسه ، و متابعة بسيطة لأطروحات الزعيم الروحي لحزب الله في لبنان "محمد حسين فضل الله" و التي يمكن الاطلاع عليها على موقعه الشخصي على الإنترنت "بينات دوت أورغ" ، ستجد المرشد يتحدث بمصطلحات متعددة "إسلامية", "عروبية", "ماركسية", مما يعني أنه ما من هدف واضح لهذا الحزب ، و غالبا ما يكون نقده للعلاقة مع "الغرب" نقدا انتقائيا و عاطفيا ، و ليس واقعيا سياسيا ، و كأن مكوّن العلاقة هو "نحن" فقط ، بينما الغرب و مصالحه و ثقافته هو مجرد "شبح". فهو يقول عن هذه العلاقة: اتخذت العلاقة بين الإسلام و الغرب أوجها متعددة ، و اتسمت غالب الأحيان بالحدة و التوتر ، و لا سيّما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، ولكنها أصبحت أكثر تعقيدا في الأونة الأخيرة ، و تحديدا بعد أحداث 11 من أيلول ، حيث أفصح الغرب عن طبيعته العدوانية ، و اتهم الإسلام بأنه يختزن في صلب تشريعاته الإرهاب و العنف ، فأضحى الإرهاب سمة كل عربي و مسلم ..إلخ" لاحظ معي كيف أن هذا الخط لم ينتقد "جريمة 11 سبتمبر" و لم ينتقد تنظيم "القاعدة" و عملياته الإرهابية ، بل النقد ، كل النقد ، يوجّه للغرب و فقط للغرب ، إن الحقيقة الواضحة هي أن التيارات الإسلامية "بما فيها حزب الله" ينطلق من نرجسية حادة تقوم على عبادة الذات و الأنا المنتشية. و يحاول فضل الله أن يفصل بين "الإدارات الغربية" و "الشعوب الغربية" في إشارة أو تلميح ضد "الديمقراطية الغربية" ، و كأن أنظمة الشرق الإسلامي المعروفة بدكتاتوريتها هي أنظمة شرعية و وطنية ، من الواضح أن هذه متاجرة سافرة بمذهب التشيع و الإسلام و الدين عموما. و المشكلة الكبرى التي يعانيها الشيعة الآن و بفعل هذا الخط المنغلق و المتطرف داخل "الحوزة" هو تحولهم نحو تبني "الأيدولوجية القومية العربية" و متابعة بسيطة للإعلام الإيراني و تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله ، تدرك مدى تغلغل الحس القومي "العروبي" و الفاشية العربية داخل منظومات التطرف الشيعي ، و هي حقا مصيبة أن يتبنى خط "يزعم الدفاع عن مظلومية آل محمد و يزعم إعادة الحس الإنساني الأممي في الإسلام" منهجا قوميا عربيا حول الإسلام و الدين إلى سلاح بوجه الديمقراطية و أنصارها ، بل إن هيئة دينية كـ"المجلس الشيعي الأعلى في لبنان" يردد كلمات "العروبة" و "الإستعمار" و "الأمة العربية" أكثر من حزب البعث و التيارات القومية و الناصرية . إذا فقد أصبح "الإسلام الشيعي" حاله حال "الإسلام السني" ، مريضا بألف عاهة و عاهة و وسيلة أخرى لنشر الكراهية و إلغاء الآخرين و ابتلاع حقوقهم ، إن هذا التطرف سيسيء إلى المذهب الشيعي أكثر مما تعرض له طوال 1400 عام ، من الحتمي إذا ، و تلك مصيبة إن لم تحصل ، أن يولد الإصلاح و التغير من رحم المذهب نفسه ، و هو أمر ينطوي على كثير من التعقيد ، و كل ما شهده التشيع من محاولات إصلاح لم يكن إلا حركات خجولة لا تضرب في العمق ، إذ أن حلقة المعصومين امتدت من الأئمة الاثني عشر لتشمل "المراجع" و من ثُم الوكلاء و حتى الأطفال أصبحوا "يُقتدى" بهم. .
حزب الله و الخلفية الفكرية
لا بد لنا من دراسة أعماق الفكر الخاص بحزب الله اللبناني و الذي يعكس خلفيات تاريخية تعود إلى بدايات القرن 19 و ظهور الفكر القومي العروبي ، خصوصا و أن لبنان يمثل جسرا ثقافيا و تجاريا بين الشرق و الغرب ، و الحقيقة التي يجب أن لا نغفلها ها هنا و التي يغفلها "حزب الله" و خط "الإمام"!! هي أن الشيعة في لبنان و قبيل العهد المملوكي و العثماني كانوا أكثر انفتاحا من شيعة العصر الحديث ، حيث أنهم لم يقاوموا الجيوش الصليبية التي دخلت إلى بلاد الشام من تركيا و سواحل إسرائيل ، و مهما حاول المؤرخون "القوميون العروبيون" الحديث عن "مقاومة الشيعة للصليبيين" لربطهم قسرا بصدام الحضارات الذي يروج له "ملاية" و حكام الدول العربية و الإسلامية ، فإن التاريخ يكذّبهم و ينفي تلك الادعاءات ، فالدكتور محمد مخزوم "و هو مؤمن بالقومية العربية حسب ما هو واضح من أسلوبه" يحاول الحديث عن "مقاومة شيعية"!! للصليبيين لكن البحث الذي كتبه تحت عنوان {جبل عامل في العهدين الصليبي و المملوكي } و المنشور عام 1979 م يوضح أن "المقاومة الشيعية" لم تكن بذلك الحجم ، خصوصا و أن الشيعة شهدوا تسامحا دينيا حقيقيا من قبل الصليبيين الذين حركوا الاقتصاد المحلي و خلقوا بيئة متماسكة "مسلمون شيعة و إلى جانبهم مسيحيون و نصيرية" يقول الدكتور محمد مخزوم: وبينما تذكر بعض المصادر المعاصرة ومنها "ابن القلانسي" ان نورالدين هزم الصليبيين ومعهم بعض المسلمين في جبل عامل قرب بانياس، نرى العامليين يساندون صلاح الدين في حروبه. وتفسير ذلك انه ليس من المستغرب ان يضم جيش الصليبيين بعض المسلمين، لان النظام الاقطاعي الذي كان سائداً كان يعتمد على تأدية خدمة عسكرية سنوية يؤديها التابع للمتبوع بحسب التشريعات والاعراف الاقطاعية. الواضح أنه يحاول إيجاد مبررات لأحداث ، لا تروق لنظريته القومية ، فيحاول إيجاد تبرير ما ، فالشيعي الذي يحارب في جيوش "نور الدين" و "صلاح الدين" ليس مـُكرها بل هو "متطوع" و يريد بذلك وجه الله ، أما حينما يخرج مع الصليبيين "فإن النظام الإقطاعي الذي كان سائدا .." !! هو الذي حتم ذلك ، لكن الحقيقة التاريخية تقول أن شيعة لبنان لم يكونوا محصورين بجــنوب الليطاني و مناطق جنوب لبنان قبل العهد المملوكي ، هذا العهد الذي تسبب في قتل آلاف الشيعة و اضطهادهم و قتل أحد أكبر علمائهم محمد بن مكي الجزيني الملقب بـ"الشهيد الأول" و تسبب في هجرتهم كغالبية إلى المنطقة الممتدة إلى جنوب الليطاني بفعل المماليك الذين تبنوا "فتاوى ابن تيمية" المعروف بحقده تجاه الشيعة و الإمام علي "الكيان السياسي لجبل عامل ـ الدكتور منذر جابر" ، و لربما كان شيعة لبنان قاوموا الصليبيين قليلا في الفترة التي شهدت الصراع بين الصليبيين و الدولة الفاطمية "الشيعية" الإسماعيلية و ينبغي ملاحظة وجود برود بين الفاطميين و الشيعة اللبنانيين لاختلافات مذهبية ، لكنهم و عند سقوط هذه الدولة على يد "صلاح الدين الأيوبي" و وصول أنباء ذبحه و أفاعيله بالشيعة في مصر ، فإن الشيعة اللبنانيين استذكروا المأثورة الشيعية :"الكافر العادل خير من المسلم الظالم" ، يقول الدكتور محمد مخزوم: ولما كان امتلاك الصليبيين للارض قد نشأ عنه بالضرورة امتلاكهم للسلطة، فقد نشأ امتزاج بين الارض والسلطان في منطقة جبل عامل، جعل المجتمع يدين بدورته الاقتصادية للنظام الاقطاعي. مما أدى الى خلق تراتبية اجتماعية يقف فيها السيد الاقطاعي على رأس الهرم، يليه اسياد المناطق الصغيرة التابعة له، ثم الطبقة الواسعة من الناس المرتبطة بمالكي الارض بحكم علاقاتهم الاقتصادية التي رسختها العلاقات الحقوقية الموضوعة من قبل الاقطاعيين انفسهم. وهكذا اصبح بحكم هذا النظام سكان جبل عامل أقناناً عند هؤلاء يقدمون الولاء والاخلاص والتموين أيام السلم والحرب، وهو ما يفسر وقوف بعضهم الى جانب الصليبيين في بعض المعارك. و من هذه العبارات يتوضح مدى الخلط الذي يقع فيه القوميون العرب "بما فيهم حزب الله" حينما يدرسون تاريخ تلك الفترة دون أن يسألوا أنفسهم أيضا السؤال المنطقي التالي : لماذا لم يعثر الصليبيون على مقاومة شيعية حقيقية كتلك التي قام بها الشيعة اللبنانيون ضد المماليك و العثمانيين ؟! و لماذا لم تكن هناك معركة شبيهة بمعركة "يارون" التي أدت إلى تسلط "أحمد باشا الجزار" و الذي شهد عهده الكثير من الانتفاضات الشيعية كرد فعل على الاضطهاد ، بالرغم من أن الظروف الموضوعية لم تختلف ، بل إن معانات الشيعة في ظل الحكم "الإسلامي" لا تقارن بالظروف الممتازة التي عاشوها أيام الصليبيين ، بل كانت فترة رفاهية مقارنة بالعهد "المملوكي" و "العثماني" ، يقول الدكتور محمد مخزوم: والفلاح العاملي ارتبط بأرضه ارتباطاً وثيقاً فلم يكن يسمح له بترك ارضه الا نادراً، لئلا تتعرض المناطق التي يسيطر عليها الصليبيون الى خلل سكاني، في الوقت الذي كان يمتهن فيه الصليبيون الفروسية والحرب، فكان من الممكن مصادرة أرض الفلاح وطرده منها. الا انه كان مصدر الاستثمار الاقطاعي الوحيد في المجتمع الحربي الى جانب التجارة، لذلك كان يتم الصاقه بالارض بدلاً من تجريده منها. حاول الدكتور ها هنا إيهامنا أنه كان من "الممكن"!! أن يطرد الفلاح من أرضه في جبل عامل في العهد الصليبي ، لكنه في بداية كلامه يقول "و الفلاح العاملي ارتبط بأرضه ارتباطا وثيقا فلم يكن يسمح له بترك أرضه إلا نادرا" و في نهاية كلامه "لذلك كان يتم إلصاقه بالأرض بدلا من تجريده منها" ، يتضح مدى المحاولة اليائسة لخلق "تاريخ وهمي" بدلا من ذلك الموثـّق و الواقعي ، و من الطبيعي أن تجد الفلاح يعيش بسعادة و هو مرتبط بأرضه بدلا من السخرة الحربية التي عمل عليها المماليك و العثمانيون. يقول الدكتور محمد مخزوم: ولكن سرعان ما كانت العلاقات تستقر بين الطرفين نتيجة لضرورة التعامل التجاري والحوافز الاقتصادية التي كانت تربطهما. وابن جبير الذي زار لبنان في هذه الفترة يخبرنا بذلك: "من العجب ان النصارى المجاورين لجبل عامل اذا رأوا به بعض المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت واحسنوا اليهم، ويقولون هؤلاء ممن انقطع الى الله عز وجل فتجب مشاركتهم". اما في وصفه لحالة سكان جبل عامل في تلك الفترة فيذكر قائلاً: "رحلنا من تبنين، دمرها الله، (اشارة الى انها بأيدي الافرنج) وطريقنا كله على ضياع متصلة وعمائر منتظمة، سكانها كلهم مسلمون، وهم من الافرنج على حالة ترفيه، نعوذ بالله من الفتنة". ولا أدل على الحياة الاجتماعية المشتركة التي عاشها المسلمون والنصارى في مدينة صور من وصف ابن جبير ايضاً لعرس أفرنجي يشترك فيه كلا الطرفين: "خرجت (العروس) تتهادى بين رجلين يمسكانها من يمين وشمال.. وهي في أبهى زي، وآخر لباس، تسحب أذيال الحرير المذهب سحباً على الهيئة المعهودة من لباسهم، وعلى رأسها وهي رافلة في حليها وحللها تمشي فترا في فتر مشي الحمامة او سير الغمامة، نعوذ بالله من فتنة المناظر، والمسلمون وسائر النصارى من النظار قد عادوا في طريقهم يتطلعون فيهم ولا ينكرون عليهم ذلك". من الواضح ، رغم كل التبريرات الاقتصادية ، إن علاقة ممتازة قامت بين الطرفين "الشيعي و المسيحي" في تلك الحقبة ، و تفسير الدكتور مخزوم لكلمات ابن جبير و دعائه على تبنين بالقول: دمرها الله" كان بسبب وجود الطرفين الشيعي و المسيحي فيها و ليس تعليله بـ"إشارة إلى أنها بأيدي الفرنجة" سوى اجتهادا شخصيا ، كما أن وصف ابن جبير لمشاركة المسلمين "الشيعة" و المسيحيين في العرس تؤكد وجود انسجام اجتماعي ، و ثقافة التبرير شوهت بالفعل كل أبحاثنا التاريخية و الاجتماعية ، و كمثال نجد الدكتور مخزوم يقول: ولما كان المجتع الصليبي في منطقة جبل عامل يتشكل باسره من العساكر والتجار، فلم يكن في الواقع صالحاً لان يخلق او يقيم مستوى فكرياً رفيعاً. لهذا كان أثر الصليبيين الحضاري في هذه المنطقة ضعيفاً جداً اقتصر على العلاقات الاقتصادية وعلى ما يترتب بين السيد وفلاحيه من علاقات محدودة ضمن اطار ما تمليه المصلحة الحربية. من الواضح أن هذه نظرة سطحية للأمور ، فالبحث عن "مجتمع الفلاسفة" هو إحدى المستحيلات ، بل إن التاجر و المحارب و الفلاح قد يكون في عقله "فيلسوف" أما البحث عن "المدينة الفاضلة" فهي من أوهام شرقنا المتخلف ، بل إن وصف ابن جبير للعرس تبدوا لي أشبه بوصفه لمجتمع متسامح أكثر مما يدور في خيالات مؤرخينا الأفذاذ. يقول الدكتور محمد مخزوم: اما عن التمازج العرقي بين الوطنيين والافرنج، فقد حدث خلال الحروب الصليبية –نتيجة للغزو والسبي وبيع الرقيق- ظهور جيل هجين اطلق عليه اسم (Poulain) تحول فيما بعد الى مذهب المنطقة التي وجد فيها. ففي الشمال اعتنقوا مذهب الموارنة، وفي بلاد العلوية اعتنقوا مذهب النصيرية، وفي الجنوب اعتنقوا مذهب الشيعة، وما زالت سحنتهم الاوروبية ظاهرة الى اليوم في بعض مناطقه. كما ان بعض هذه العائلات ما زالت تحتفظ بأسماء لاتينية أمثال عائلة الصليبي، وبروديل (Baldwin) وفرنجية والدويهي (De Douhai) ودوريان حمله وطربيه (Torby) وغيرها. من الواضح إذا أن هناك اختلافا كبيرا بين الشيعة في جبل عامل و لبنان خلال نهاية الألف الأول من التاريخ الميلادي ، و الشيعة خلال القرنين الأخيرين ، حين قاموا خلال الاحتلال الفرنسي ـ الذي لا أعتبره احتلالا ـ بذبح مسيحيين في جنوب لبنان ، و هو تحول مثير للانتباه ، و كان ذلك ربما ردة فعل أخرى على المحيط العربي الإسلامي الذي كان ـ و لا زال ـ ينظر إلى الشيعة على أساس أنهم "ليسوا مجاهدين" و كأن الإسلام كدين لا معنى له بدون سفك الدم ، يقول الدكتور مخزوم: منذ اللحظة التي استطاع فيها الصليبيون ان يضعوا اقدامهم على ارض معادية لهم حاولوا ان يقيموا لهم مراكز دفاعية وهجومية في الوقت نفسه، وهو تأكيد ثابت على رفض العامليين للاحتلال. وهكذا كانت سلسلة الحصون والابراج التي اقاموها على طول الساحل الجنوبي الممتد من عكا الى صيدا. كما اقاموا سلسلة اخرى من هذه الحصون في داخل منطقة جبل عامل امنع وأضخم مما انشأوه على الساحل. هذه القلاع والحصون الساحلية منها والداخلية لعبت دوراً حضارياً مهماً لكونها كانت مراكز التقاء للتفاعل الحضاري الذي كان يتم بين وقت وآخر بين السكان الوطنيين من جهة ووفود الافرنج المتعددة والمتغيرة على الدوام من جهة ثانية. إن بناء القلاع في هذه المنطقة من لبنان لا يعني إلا أنها كانت تمثّل خطوطا خلفية مؤمّنة ، و ليس كما يتوهم الدكتور ، خصوصا و أنها كانت تستخدم للهجوم و الدفاع على حد سواء. و خلال القرنين الأخيرين و حيث كانت أوروبا تشهد بدايات النهضة القومية آنذاك ، كما أن مسيحيي و دروز و سنة لبنان روجوا للقومية العربية و فعلا انجر الشيعة مع الآخرين ، و متابعة بسيطة للثقل الثقافي الذي كان يتمحور حوله أهالي الجنوب اللبناني ـ جبل عامل ـ تبنين ـ بنت جبيل ـ ستجد أن كل المشاعر الأخوية تتمحور حول "القومية" التي بدت بديلا للدين الذي يرفض الأخوة مع "المسيحيين" حسب الفهم الرجعي للدين. و موقف اللبنانيين تجاه إسرائيل "اليهود" و الغرب ، لم يختلف قط عن مواقف الفلسطينيين و حتى خطابهم السياسي لا يكاد يختلف ، عدا فئة من المسيحيين "الموارنة" و "المسلمين الدروز" الذين كانوا أكثر انفتاحا تجاه الحداثة ، و حتى السيد محسن الأمين ـ أحد زعماء الإصلاح في الوسط الشيعي كانت أفكاره تتمحور حول "المفهوم القومي" و كان ينظر إلى كل المحاولات الغربية لإصلاح الشرق على أنها "مؤامرة استعمارية" : قالوا الشعوب نفكُّها من رقِّها كلا بل استعبادَها قد راموا باسم الحماية والوصاية يُجترى حقٌ لكم وتدوسكم أقدامُ إن هذه النظرة القائمة على "الشك" و الطعن في كل مشروع سياسي غربي و عدم النظر إلى الأمور بأسلوب "براغماتي" قائم على منطق السؤال عن "المنفعة و الضرر" في القضايا ، و طبيعي أن تكون النتيجة هي القبول بالحلول الدنيا و المشروع الذي كان مرفوضا ، و كان الاغتراب الذي يعيشه "المراجع الدينية" بصفة عامة ، سببا مهما من الأسباب التي أدت إلى غياب الحس الوطني ـ بمعناه البراغماتي لا الشعاراتي ـ لدى المتصدي للفتوى ، فترى مثلا لبنانيا يقضي في النجف أو كربلاء عقودا من عمره للبحث و الدراسة ثم يعود إلى جبل عامل أو إلى لبنان من غير أن يدرك التحولات الاجتماعية و الإقتصادية و السياسية التي شهدها البلد ، و العكس صحيح ، و الأمر نفسه يتكرر مع إيران و العراق. كما أن مفهوم العنصرية العربية و الذي ساد بين فئة من المراجع و ليس كلهم و القائل: حاكم عربي أو مسلم ظالم خير من حاكم إنكليزي "كافر" عادل" و هذا المبدأ يقف بالضد من أُسس التشيع ، لذلك نلاحظ أن المدرسة الشيعية "اللبنانية ـ حزب الله" أخذت تتخلى عن مباديء التشيع ، إلى حد أن فضل الله أنكر استشهاد الزهراء بسبب الخليفة الثاني عمر ، و هو الأمر الذي جعل بعض المعممين الشيعة كـ"فاضل المالكي" يتهمونه بالضلال و الخروج على أصول المذهب و لأسباب أخرى أيضا. كما أن شيعة لبنان "الخط العام" ينتمون فكريا لمنهج الخالصي ، و الذي يكرهه شيعة العراق عموما و أنا واحد منهم ، هذا الخط الذي يتبنى مبدأ "قف مع أخيك و إن كان ظالما" ، إن هذا الخط العنصري المتطرف يمكن تسميته بـ"تنظيم القاعدة الشيعي" ، من الملاحظ أيضا أن ظاهرة "الإنتحاريين ـ الطياح" ظهرت في هذه المنطقة ، يقول أسامة محمد أبو نحل أستاذ التاريخ الحديث بكلية الآداب و العلوم الإنسانية في جامعة الأزهر ـ غزة ـ في بحثه المعنون { الحكم الإقطاعي لمتأولة جبل عامل في العهد العثماني }: أدت هزيمة المتاولة ـ أي الشيعة ـ في معركة يارون إلى سقوط الحكومة الإقطاعية الأولى في جبل عامل، وإلى إضعاف الاتحاد العاملي وخضع إقليم جبل عامل لحكم الجزار المباشر، في الوقت الذي شكّل فيه الشيخ فارس بن الشيخ ناصيف النصار الفرق الانتحارية، أو العصابات المسماة "الطياح" لاعتراض سبيل جند الجزار وعماله، واستمر الحال هكذا حتى بعد وفاة الجزار سنة 1219هـ/1804م." المصدر ص 10
شيــــعة العراق من حكم البعث إلى التحرير الأمـــــريكــــــي
لا شك أن الشيعة العراقيين اكتشفوا منذ انقلاب 1958 و الذي أطاح بالحكم الملكي ، أنهم ارتكبوا أكبر غلطة بقيامهم بـ"ثورة" ضد الوجود البريطاني الذي كان فرصة ذهبية لهم لخلق بلد يستطيعون المشاركة فيه ، لكن سقوط الحكم الملكي ـ الذي كان على الرغم من سلبياته ـ كان يملك صفات ديمقراطية لبرالية ، أتاح للأحزاب القومية و الشيوعية المنافسة على الحكم و عبر الأساليب الدموية و القذرة ، كُل منهم كان يؤمن أن الحكم "المطلق" من حقه وحده ، و مهما لمعنا صورة "عبد الكريم قاسم" فإنه يبقى مثالا جموديا و شخصية عسكرية لم تساهم في أي نزعة ديمقراطية ، و كان لوصول شخص عسكري إلى دفـّة السلطة شبه إعلان عن طبيعة العراق الجمهوري "الدموي التوتاليتاري" ، و إذا أمعنت النظر في بشكل متسلسل في الشخصيات التي تسنمت منصب الرئاسة "عبد الكريم ـ عبد السلام عارف ـ أحمد حسن البكر التكريتي ـ صدام حسين التكريتي" طبعا نستثني عبد الرحمن عارف الذي تلا أخاه حيث أنه لم يكن دمويا أو صاحب طموح ميكافيللي ، ستجد أن هناك وتيرة تصاعدية في العنف و الدكتاتورية. و خلال هذه التحولات كان شيعة العراق ينتقلون من سيء إلى أسوأ ، و من اضطهاد إلى اضطهادات ، بينما كانت الحوزة السبب الأساس في هذا التخلف السياسي الشيعي ، أي أن هذه الحوزة و المرجعية كانت الداء و الدواء في وقت واحد . راجع مثلا الخطاب السياسي الشيعي في بداية القرن العشرين و بدايات الحرب العالمية الثانية ، ستجد أن "العقل و المنطق الشيعي" يعيش حالة "العاطفة السلبية ، و نعني بذلك أن العاطفة التي تحكمت بشيعة العراق أوقعتهم في مأزق تاريخي خطير ، و التاريخ لا يرحم أحدا كما تعلم ، و بدلا من السؤال الذي يطرحه المفكرون العراقيون "الشيعة" : لماذا تركنا العالم و المجتمع الدولي تحت سيف الجلاد" ؟!!. نطرح السؤال التالي: ما الذي جعل أقلية لا تكاد تزيد عن 20% تتحكم بمصير الـ 70 % من العراقيين ؟! إن حالة الإنتماء الكاذب إلى الأمة الخيالية "الأمة الإسلامية" كما يسمونها ، هو الذي جعل المرجعية الشيعية "الشيرازي" و "الخالصي : الذي كان أشبه بحصان طروادة السني داخل المرجعية" و "الأصفهاني" ، يفتون بـ"مقاومة البريطانيين ، و كانت النتيجة الكارثية هو إغراق أجيال كاملة في حياة البؤس و التخلف "و أحد المراجع ألّف كتابا تحت عنوان ـ دولة المليار مسلم" ، بل الأمر المدهش و الذي أثار ، و لا زال يثير استغرابي ، أن مراجع مذهب "أهل العقل" ـ من لا عقل له لا دين له ، الحديث الذي يرويه الكليني في الكافي ـ أفتوا بحرمة المشاركة أو حتى إقامة الإنتخابات ـ بحجة أنها تمت تحت ما أسموه بالاحتلال البريطاني ـ و كان عليهم "منطقيا" أن يفتوا بالعكس ، أي المشاركة الفعـّالة لكي لا يفقدوا حقوقهم أو عدم السماح للآخرين بالتعدي عليها ، و بفعل هذه السياسة التي أستطيع أن أسميها "الانتحار السياسي" ، أصبح الشيعي مواطنا من الدرجة العاشرة ، لذلك لا بد من البدء بنقد ذاتي صريح لكي لا تكرر تلك الأخطاء ، و من الواضح أن شيعة العراق كادوا يرتكبون ذات الخطأ أثناء التحرير الأمريكي للعراق ، بل إن المرجعيات سكتت فعلا عن أفعال "مقتدى الصدر" الذي كاد بسياساته يعيد المعادلة القديمة. إن تاريخ شيعة العراق لا يختلف في مظهره العام عن تاريخ الشيعة و مواقفهم في إيران و لبنان و سوريا ، فالفكر الشيعي الممتد من نهاية القرن التاسع عشر و حتى سبعينيات القرن العشرين و ظهور "محمد باقر الصدر" كأكبر عقلية شيعية طوال القرون السبعة الأخيرة ، يتسم هذا الفكر بنزعته "القومية" العربية ، و لم تكن لغة المراجع الذين أثاروا ثورة "العشرين" لتختلف عن لغة أي منظر في "حزب البعث" الذي تأسس عام 1947 م ، من هنا كان هاجس "الهوية" و "الانتماء" و معرفة "الذات" سببا في دخول شيعة العراق خصوصا و الشيعة عموما ، في حالة من الاغتراب الذاتي و النظر إلى القضايا بعين "العقلية المضطهدة" ، مما يعني تقوقع العقل الشيعي و ميله إلى ردود الفعل. فبينما كان هناك صراع هويات قومية و مذهبية في العراق ، كان العلامة "كاشف الغطاء" يتردد على مؤتمرات "العالم الإسلامي" و "الوحدة الإسلامية المزعومة" ، و كانت النتيجة أن وقع الشيعة في مأزق ما كان الخروج منه ممكنا لو لا أحداث 11 سبتمبر الإرهابية و التي غيرت من مجرى التاريخ العالمي و العراقي على الأخص ، فكان المجتهد الشيعي في وادٍ و المـُقلّد "الشيعي البسيط" في وادٍ آخر ، الأول يبحث النظريات و الفلسفات العامة و هموم "الأمة المزعومة" و الثاني يعيش همّ الواقع اليومي المؤلم من دكتاتورية و فقر و حرمان و حياة غير مضمونة. و لقد أدرك "محمد باقر الصدر" هذه الحقيقة و كان أول مرجع شيعي ينتقد "النظرية القومية العربية" و هو الأمر الذي دفع نظام البعث الدكتاتوري إلى قتله و شقيقته و من ثم إبادة الآلاف من أنصاره و المتعاطفين معه ، لكن مشكلة الصدر الأول أنه لم يقم بنقد الخرافة الخطيرة الأخرى "الأمة الإسلامية" و حقيقة أنها لا تختلف عن وهم "الأمة العربية" ، رغم أن نقده للمفهوم القومي كان خطوة مهمة للأمام ، و لكن ينبغي أن نذكر حقيقة مهمة أخرى ، و هي أن محمد محمد صادق الصدر و هو شقيقه ، مثل تحولا خطيرا نحو التخلف و التطرف القومي الديني مما خلق أكثر الحركات السياسية تشوها في التاريخ "التيار الصدري". مشكلة المذهب الشيعي الآن هي تحوله إلى مجرد "آلة" لإشعال نيران العواطف دون أن يكون للعقل دور ، أي دور كان ، و لا زالت نظريات المؤامرة تتحكم بالملاية الشيعة ـ عدا استثناءات هنا و هناك ـ و هذا التيار المتطرف لا يمتلك ما نستطيع تسميته بـ"النظرية أو الأيديولوجية" حتى و إن كانت أكثرها تخلفا ، فالتيار كله لا يعدو كونه "مجموعة عواطف" و حركة ردود فعل و تكرار ببغائي لمنتجات التشيع العراقي الإيراني و اللبناني ، من هنا يمثل "تيار الصدر" ـ و الذي يختلف تماما عن طروحات الصدر الأول ـ خطرا حقيقيا على الساحة الفكرية و السياسية للتشيُّع عموما و العراق خصوصا. إن الصدر الأول كسر بعض الحواجز النفسية تجاه "القومية العربية" و توجيه نقد فلسفي إليها ، لكن أفكاره في خطوطها العامة لا تصلح للديمقراطية و اللبرالية ، هذا إن لم نقل أنها تقف بالضد ، فالصدر الأول كان يؤمن بـ"نظام إسلامي يقود الحياة" ، و نظرة بسيطة إلى طروحات "آية الله كاظم الحائري" تظهر أن هذا الخط فعلا يؤمن بـ"ولاية فقيه" مــُـقنـّـعة ، و أن برنامجه السياسي لا يعدو كونه "أيديولوجية أخرى" لا تؤمن بالوطن العراقي ـ و هو بالذات ما عاشه حزب البعث المؤمن بالعروبة و كذبة الوطن العربي و كذلك الإسلام السني الذي يؤمن بإسلام مخلوط بالعروبة ـ من هنا و رغم أننا نقدّر للرجل مواجهته للبعث الإرهابي ، إلا أن منهجه السياسي قائم على العاطفة و رفض اللبرالية لا بمنطق فلسفي موضوعي ، لكن عبر رفض الذات "الأنا المسلم" للآخر "المسيحي + اليهودي + الغربي". و مهما حاولت المدرسة الحوزوية الشيعية تجميل الصورة في علاقته تجاه "المسيحيين + اليهود" إلا أنه لا يعدو كونها صورة جميلة إذا ما قورنت بالتعامل الإسلامي "السني" تجاه الأديان الأخرى ، لكن تبقى الحالة الإسلامية في علاقتها العامة بالآخر و منتجه الحضاري "الديمقراطية + اللبرالية + العلمانية" علاقة كراهية و خوف و رفض سلبي ، و الرفض السلبي نعني به الرفض غير القائم على منطق واقعي حقيقي. و المشكلة التي تعاني منها الحوزة الشيعية في العراق هو أن ما حصل لها من اضطهاد و قتل إبادة خلال القرن العشرين ، خصوصا الثلث الأخير الذي حكم فيه البعث ، أدى إلى خسارة الحوزة بما يعادل كل تاريخها ، منذ تأسيسها في القرن الثامن و التاسع الميلادي ، فعلماء كبار تعرضوا للقتل و التشريد و الطرد ، فكان أن وجد الشيعة العراقيون أنفسهم مرميين في أحضان حوزة قم و مجبرين على تبني منهجها ، شاءوا أم أبوا ، و إلى أن يتحرر العقل الشيعي العراقي من ثقافة المنفى و الشتات ، لا بُدّ له من وقت و صبر.
شــــــيعة العراق من حكم البعث إلى التحرير الأمريكي
من حسن حظّ الشيعة ، أن أحداث سبتمبر الإرهابية جاءت لهم بالفرج و بفرصة تاريخية لإعادة صياغة التاريخ في قالب جديد ، لكن لسوء طالعهم أيضا ، أن هناك دولة اسمها "إيران" تطعنهم في الظهر و تحرّك بعض الأطراف الشيعية العراقية بما يناقض المصلحة الشيعية العراقية باتجاه العداء و الاصطدام مع الغرب ، و هي الفرصة التي طالما انتظرها المعسكر الخاسر في حرب تحرير العراق 2003 م ، ألا و هم العرب السنة ، الذين قاموا بالفعل بمد "مقتدى الصدر" و تياره التخريبي الفوضوي بالمال و السلاح ، و التي أظهرت على أرض الواقع تحالف "التناقضات" بوجه المدّ الأمريكي الديمقراطي ، حيث قام "مقتدى" بإشعال فتنة مع الأمريكيين في الوقت الذي كان الجيش الأمريكي يستعد للانقضاض على إرهابيي الفلوجة ، بل إن "مقتدى" افتخر في إحدى خطب الجمعة بـ"احداث 11 سبتمبر" الإرهابية ، معتبرا إياها عملا بطوليا "عامي في العراق: السفير بول بريمر ، المصدر". من هنا فإن الواقع السياسي الشيعي يعاني من حالة تأزم ذاتية تنطوي على خطورة فعلية من حيث استخدام أدوات رجعية في وقت أحوج ما يكون فيه الشيعة إلى البحث عن حلفاء و أصدقاء يمكنهم المساعدة ، خصوصا و أن القاعدة و تنظيمات "آل سعود" أعلنتها حربا على الشيعة عموما و العراقيين منهم خصوصا ، و ما حدث من مذابح انتحارية منذ 2003 م و لحد الآن هو أكبر دليل ، مع ملاحظة أن هذا الأمر يحدث مع شيعة الهند و باكستان منذ أمد طويل. إنّ التّشويه البشع لمذهب التشيع و الذي قام به معمّموا "قُم" و "طهران" خلال النصف الثاني للقرن العشرين و لحد الآن ، أثّر سلبا على الدور الشيعي العراقي ، حيث رسخ الإيرانيون في نفوس الكثير من معمّمي العراق مفاهيم "الصراع" و "الجبهة الداخلية" و "الجبهة الخارجية" و عقلية "المقاومة" و "كراهية الحداثة" ، فمن الممكن للدارس تبين أوجُه التشابه بين البرنامج السياسي ، هذا إن كان هناك أيُّ برنامج أصلا !! بين "التيار الصدري" و "حزب الدّعوة" و "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق ـ جماعة الحكيم" و بين الأيديولوجية العدائية "عقلية الصراع" و "دكتاتورية الفقيه" التي تروج لها عمائم طهران. صحيح أن بعضا من الأحزاب الإسلامية الشيعية تراجعت عن نظريات الإسلام السياسي و إن بشكل غير كلي ، لكن من الواضح أيضا أن الممارسة السياسية لجماعة الحكيم و الدعوة جعلتهم يسلّمون بالواقع السياسي العراقي القائم على التعددية السياسية و الفكرية ، و من ذلك مشاركة "السيد المالكي ـ رئيس الوزراء العراقي و هو من جماعة الدعوة" في حفل تضمن رقصات باليه لأحد مدارس الأطفال ، و هي خطوة ـ على صغرها ـ نحو الفهم الديمقراطي ، و كان لاهتمام الدكتور الجعفري ـ رئيس الوزراء السابق و هو أيضا من الدعوة ـ بالنموذج التركي الحالي ، تعايش الإسلاميين مع النظام العلماني ، دليلا و رسالة واضحة لواشنطن و الغرب على أن حزب الدعوة ـ تحديدا ـ و الشيعة العراقيون عموما ، مستعدون للديمقراطية ، كما أن رفض الدكتور الجعفري في أكثر من مناسبة وصف العلمانية على أنها "إلحاد" و رفضه جعل الإسلام حجة لرفض الديمقراطية ، دليلا و إشارة أُخرى على التحولات. من المهم أيضا أن تقوم الحوزة و المرجعيات الشيعية ، خصوصا آية الله السيستاني ، بالمزيد من الضغوط على جماعتي "الحكيم" و "مقتدى" لوقف عمليات "أسلمة الدولة العراقية" ، و من المؤسف حقا أن مادة "الإسلام هو الدين الرسمي للعراق" حشي حشوا في الدستور العراقي ، مما يعني أن حرية الفرد في اختيار عقيدته مهددة ، فلا بد من جعل الفرد حرا في أن يؤمن أو لا يؤمن ، و بمجرد أن نبدأ بوضع العوائق أمام الفرد ، فإن العوائق ستتراكم بمرور الوقت و نعود إلى نقطة الصفر ، و هذا المبدأ الخاطيء "فرض الدين بالإكراه" يتنافى مع كل الأديان و العقائد ، خصوصا المذهب الشيعي. على الإسلاميين الشيعة أن يفهموا أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات و حكم أغلبية فقط ، بل يُضم إلى ذلك ضمان الحريات الفردية و حرية المعتقد و تغيير الدين ـ أما حدّ الردة فهو من بدع الخليفة الأول ـ و معلوم أن آية "لا إكراه في الدين" هي مدنية و لا يمكن أن تكون منسوخة ، كما أن من مصلحة الشيعة قبل غيرهم ، توفير جو من الحرية ، و المعلوم أن التشيع كان ينتعش في ظل الحرية ، و بدون الحرية فإن الاضطهاد لا يختلف باختلاف العناوين ، لأن المضمون واحد.
من خلال ما تقدم يتبين لنا أن هناك مؤشرات متباينة بشأن ما إذا كان الشيعة سيقومون بتطبيق "الديمقراطية" كخيار واقعي و تقبُّل عقائدي ، كما أن هناك نقطة مهمة يجب أن تتوفر في العقيدة و التطبيق الشيعيين لينجح الخيار الديمقراطي ، ألا و هو التسامح الديني: "Toleration" و هو الأمر الذي قام الغربيون بتطبيقه منذ القرن الخامس عشر و ظهور الإصلاح الديني الذي قاده مارتن لوثر و تلميذه "كالفن" و ترسخ مدرسة العقلانية: "Rationalism" التي خلقت من الغرب أقوى حضارة في التاريخ ، و هنا لا مجال لأي محاججة من قبل المعممين و الأصوليين للقول بأن الغرب ليس متدينا و أنه أصبح بفعل هذه السياسة "حضارة ملحدة" و تقف بالضد من الدين ، ذلك أنه لا مجال نهائيا لأي دين قائم على الإكراه ، و من ذلك نجد أن جماعة الخامنئي و ما يسمى بـ"حزب الله" تقف بالضد من المعممين الذين يؤمنون بالديمقراطية أو حتى بالنظريات الإسلامية التي لا مكان للـ"ولي الفقيه" فيها ، كما هو واضح من موقفهم من آية الله السيستاني أو المنتظري و البروجردي و الشيرازي و حتى المدرسي الذي تعرض لمضايقات حينما كان في إيران. و لا بد من وقفة حوزوية حقيقة إلى جانب الديمقراطية و حرية الفرد في إختيار دينه و أفكاره و حتى أسلوب حياته ، كما أن مبدأ "ولاية الفقيه" لا بد و أن يحذف من قاموس الفكر الشيعي و يستبدل بالنظام العلماني الذي يقوم على "العلمانية المؤمنة" التي تحمي الدين و توفر له الحرية في الاعتناق و إقامة الطقوس و الشعائر الدينية ، و يجب أن يتم هذا التغيير بالوسائل السلمية المدنية كالمظاهرات و الإضراب و نشر روح التسامح و الإخاء ، ليس بين الشيعة و السنة و حسب "كما هو عادة النظام الإيراني الذي يروج للوحدة في إيطارها الديني الضيق" بل و حتى التسامح و الأخوة مع "المسيحيين" و الأهم مع "اليهود" و سائر الأديان و المذاهب ، كـ"البهائية" و "الأحمدية القاديانية" و حتى الملحدين و اللا دينيين "فمن كـفر فعليه كفره" ، و بدون هذا لا يتم التغيير الحقيقي ، و كل الكلام الذي يروجه الخامنئي و خطّه عن "حرية" و "كرامة" و "استقلال" الأمة هو ثرثرة لا أكثر و ليس لها أي حظ من التطبيق. مشكلة الشرق الإسلامي ، و الوجود الشيعي جزء من هذا الشرق ، أنه لم يستطع الوصول إلى فهم دور الدين في مجتمع يؤمن بالحداثة ، كما هو في الغرب ، و المصيبة أن دعاتنا و ملالينا "شيعة و سنة" يقومون في الغرب بالدعوة و الترويج لما يؤمنون به ، بينما يمنع في الدول الإسلامية و العربية "و أنا أتحفـّظ على هذا الإسلام الرسمي ذو التفسير الواحد" يمنع الدعوة لأي دين آخر أو التبشير به ، و حتى إن حدث ذلك فهو يتم تحت رقابة مشددة من السلطة و المؤسسة الدينية الرسمية. و حينما نجد المسلمين يتحدثون عن "اضطهاد المشركين للمسلمين" و الممارسات اللا إنسانية التي كانوا يتعرضون لها في صدر الإسلام ، و حينما يحدثنا الشيعة عن كل حملات القتل و الاضطهاد و الإبادة التي تعرضوا لها ، ثم نجدهم يقومون الآن و على أرض الواقع باضطهاد الأديان أو "المرتدين"!! و من يغير دينه ؟!! نسألهم: لماذا كان الاضطهاد أمرا مذموما هنا و ممدوحا دينيا في الحالية التالية ؟!! الأكيد أن لا أحد يمتلك الجواب ، و الجواب الوحيد هو تطبيق "العلمانية و تطبيق الحرية العقائدية". إن حوار "الله" مع "الشيطان" في سورة البقرة ، يشكل إحدى النقاط المهمة لرسم فلسفة دينية تجعل الإسلام "و الشيعة جزء مهم من هذا المكون" في وفاق و انسجام مع النظام الديمقراطي العلماني ، كما أن المذهب الشيعي قابل للعلمنة خصوصا و أنه يؤمن بأن "المهدي ـ الإمام الأخير الغائب و الذي سيعود مع المسيح" هو وحده الذي يملك حق تطبيق الأحكام "النظام ـ السلطة" و أنه لا جهاد أو مبادرة بالحرب ما دام الإمام الغائب ليس هو من يحكم ، و أعتقد أنه في هذه النقطة تحديدا يلتقي التشيع مع "اليهودية" و "المسيحية" ، و حقيقة أنه لا بد للشيعي كفرد أن يعود إلى الأصل في التشيع و يلغي "التشيع المصطنع" الذي صنعه جيل "ردود الفعل" ابتداءا من السيد الخميني ـ و هو غير معصوم بالتأكيد ـ و انتهاءا بالخامنئي و فضل الله. إن الدين "كمجموعة عقائدية" يبقى شيئا و موضوعا مرتبطا بالفرد "النفس" و مسألة قبول أو رفض هذه المنظومة العقائدية هي مسألة "قناعة شخصية" و لا يمكن لأحد التحكم بها "لست عليهم بمسيطر" و من هنا يجب ترك الناس أحرارا في أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا ، مما يعني عدم تناقض "الإسلام" مع "العلمانية" و تقبله "للحداثة" ، و حقا فقد كانت فتوى "السيد الخميني" ضد الكاتب البريطاني "سلمان رشدي" و تحليله قتله ، سابقة خطيرة في المذهب الشيعي ، إذ لم يسبق لمرجع شيعي ، لا قديما و لا حديثا ، أن أصدر فيها فتوى تهدر دم شخص معين بسبب رأي رآه. بالتالي ، انتقل الشيعة من كونهم "ضحية فتاوى" ، كما حدث مع الشهيد الأول و الثاني ، إلى مرحلة "البابوية الإسلامية" التي تبيح قتل الآخرين على أساس الرأي و اختلاف المذهب ، و من الطبيعي فإن هذه الفتوى "السيئة السمعة" أعادت إلى أذهاننا عصور الظلام و خلط الدين بالسلطة ، و من ملك استأثر ، و بينما كان من الممكن أن ينظر العالم بعين الاحترام إلى التشيع و الشيعة ، أظهرت هذه الفتوى و كأن "التشيع" ليس إلا نسخة أخرى من المذهب السني ، و أنه لا يتقبل الرأي الآخر و غير قابل للتطورأو التعايش ، فانتقلنا من مذهب "يعاني من الاضطهاد" إلى مذهب يقوم بالاضطهاد.
الشّـيــــــعة و الإنتــــــــــــــــحــــــــــــــــاريون
من المعروف ، تاريخيا ، أن "خطّ الإمام" و "حزب الله" قد تسبب في ظاهرة "الإنتحاريين" الذين تعاني منهم الأغلبية الشيعية في العراق ، فمهما حاول المُنظّرون تبرير ما روج له "حزب الله" بحجة أن عملياتهم "الإنتحارية" ضد الإسرائيليين و الأمريكيين كانت تتم ضدّ "قوات عسكرية"!! ، لكنها و بلا جدال أوحت إلى الحركات الطائفية السنية "القاعدة" و أذيالها ، أن تقوم بقتل العراقيين ـ الشيعة على وجه الخصوص ـ بهذه الطريقة البشعة الغدارة ، كما أن علينا أن لا ننسى "أحداث سبتمبر" الأليمة و التي كانت عبارة عن "عملية انتحارية ضخمة" ، و صحيح أن تلفزيون "المنار" التابع لحزب الله لم يعد يروج لعملياته الانتحارية و غابت وجوه اؤلئك الذين كانت القناة تعرضهم كـ"مسافرين إلى الجنة"!!. لكن الإعلام الإيراني لا زال يروج عبر أفلام الكارتون و المسلسلات لعمليات "الإنتحار" ، و أحد هذه المسلسلات كانت تدور عن قصة فتاة فلسطينية صغيرة ، يقوم ضابط إسرائيلي بسرقة عينيها لإبنه الأعمى و يعيد الفتاة و هي عمياء ، فيغضب أخوها ـ و ما أسرع المتدين المسلم إلى الغضب ـ و يقوم بتفجير نفسه بين اؤلئك الضباط انتقاما لأخته. إن هذه الثقافة التي تجعل المرء سريعا في تفجير نفسه ، هي فعلا ثقافة خطرة و لا تحمل أي ميزة شجاعة أو رجولة ـ كما يحب الشرقي أن يفتخر ـ و لا يمكن أن نقارن هذا العمل "الوصول السريع إلى الله ـ حسب تعبير أحد الكـُتـّاب" بما يقوم به جندي أو محارب يدافع عن بلده أو قضية معينة ، بمعنى أنه أقرب إلى الهروب من آلام المعركة و ما يترتب عنها من تشوه أو عوق. كما أن على شيعة العراق أن يقوموا عبر الثقل الكبير للمرجعية الشيعية في العراق ، بإصدار فتاوى صريحة "تحرّم الإنتحار" المبرر و غير المبرر ، و أيضا الضغط على الإيرانيين لإلغاء هذه الثقافة من بين الشيعة ، صحيح أنه لا شيعي فجر نفسه ـ لحد الآن ـ في دولة غربية أو مجموعة مدنية ، لكن ما تقوم به السلطات الروحية في إيران و الحوزات في قم و طهران من تشجيع لهذا الأسلوب الإرهابي ، هو ضار بالشيعة أنفسهم و غير لائق أخلاقيا. بل إن أفلام الكارتون الإيرانية "و هي بالتأكيد موجهة للأطفال" تشكل دافعا خطيرا لخلق جيل غير منضبط و خطر على مجتمعه و العالم ، من هنا وجب العودة إلى صيغ التشيع الأصيلة و التي تركز على "الإنسان المسالم" و الذي لا يؤذي أحدا ، و يروي الشيعة في كتبهم حديثا يقول: "المسلم من سلم النـاس من يده و لسانه" و صيغة هذا الحديث تتلائم مع التطور الأخلاقي للإنسانية . بينما يرويه السنّـة بالصيغة التالية :"المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه"!!. كما قلت في حلقات سابقة من هذا البحث ، شكلت الثورة الإيرانية و بكل مقوماتها الفكرية و الثقافية ، انتكاسة خطيرة لمفاهيم التشيع ، و تحولا دراماتيكيا نحو الأسوأ ، بينما كان من المفترض حدوث العكس ، كان من المنتظر أن تقف المرجعية في إيران مع "حرية العقيدة" و السلم الأهلي و نشر التشيع عبر "الكلمة" و "الكلمة فقط" و طرق الدعوة المتوفرة في جميع البلدان الديمقراطية ، و القيام بحملات ثقافية ضخمة من تبادل أفكار و خبرات و خدمة مجتمع ، لكن المسألة أصبحت مقلوبة الآن ، حيث يقوم مجموعة صغيرة من المعممين باحتكار كل شيء و كل يوم يقوم هؤلاء بأفعال تسيء إلى التشيع و بأبشع الأساليب ، تارة عبر خلق "تدين فاشي" و تارة "عبر تبني العنصرية العربية" أو بالترويج للإنتحار القاتل و الإرهابي كما رأينا في هذه الخلاصة. من المهم جدا إذن أن ينتبه الشيعة إلى أن ما يحصدونه اليوم هو نتاج إيران الشيعية التي أساءت إلى التشيع و جعلته دافعا لمتطرفي السنة ليستخدموا الآن ، ذات الأساليب القذرة ، لقتل الشيعة العراقيين . خــــــــــاتمــة البحث .................................... في خاتمة هذا البحث ، و الذي أُدرك مدى اختصاره و حاجته للمزيد من البحث و الإضافات ، لكنني أعتقد أننا طرحنا كثيرا من النقاط الجديدة الجديرة بالبحث من قبل الباحثين و الكتّاب ، إن إعادة أي دين أو مذهب إلى أصوله القادرة على التعايش مع الحضارة و التطور و الديمقراطية ، لهو من أصعب المهات على الإطلاق ، و من ضمن تلك المشكلات هو تعامل "الفرد الشيعي" مع القوانين المدنية و العصرية ، فنحن نجد رفضا شيعيا ـ على مستوى النخبة المعمّمة و المتدينة ـ للقانون المدني و المحاكم المدنية ، على أساس أنها من "التحاكم إلى الطاغوت" حسب الآية القرانية (يريدون ليتحاكموا إلى الطاغوت) ، متناسين أن هذا الأمر أيضا داخل في الاختيار الشخصي ، كما أن الطاغوت هنا هو (هوى السلطان) أو (الطاغية الدكتاتور) و ليس المساواة بين البشر ، و هو مفهوم إنساني في صميم الديانة الإسلامية. و نحن هنا ضربنا هذا المثل للكثير من المواضيع التي تعتبر ضرورية للبحث و الدراسة ، إن العنصرية "الإسلامية" التي خلقها المذهب السني العروبي أصبحت خطرا كبيرا بسبب انتقال هذه العدوى إلى المذهب الشيعي الذي يعاني الآن من "اغتراب" عن الذات الأصولية التي تجد نفسها في تناقض مع الواقع و التطبيق ، تحول "التشيع" في ما بعد "الثورة الإيرانية" إلى دافع آخر للعنف و العنصرية و لغة الكراهية ، و رأينا كيف هدد "حزب الله اللبناني" بخلق ما يشبه "تنظيم القاعدة الشيعي"!! الأمر الذي يعني أننا نكاد نفقد الأمل في علاج هذه الحالة "حزب الله" و أن السرطان قد لامس النخاع. و لا بد أيضا من مراجعة شيعية للهويتين "الدينية" و "الوطنية" مع إلغاء ما يسمى "الهوية القومية" كمنهج سياسي ، و كيفية الملائمة بين "تقليد المرجع" و "الإنتماء الوطني" ، و فعلا فقد خلقت "ولاية الفقيه" هذه النظرية الإيرانية خللا في تركيبة الفرد و الجماعة الشيعية داخل و خارج إيران ، و لم تكن هذه الإزدواجية في الإنتماء موجودة عندما كانت إيران دولة "علمانية" ، لكنها خرجت إلى السطح بعد "الثورة" و محاولات تصديرها و كأنها بضاعة معلّبة. لا بد من فك و تحليل هذه التناقضات و إزالة عقدة الشعور بالنقص لدى "الشيعي" التي تجعله صاحب ردود أفعال أكثر من كونه "مثالا و نموذجا يحتذى به" ، لذلك نجد أن أكثر ما تنتجه الحوزات هو ردود أفعال أكثر من كونها فهما شيعيا للقرآن و الإسلام. 29 \ 11 \ 2006 م

